وهذه الجاهلية خبثت قديمًا وخبثت حديثًا .. يختلف خبثها في مظهره وشكله، ولكنه واحد في مغرسه وأصله .. إنه هوى البشر الجهال المغرضين، الذين لا يملكون التخلص من جهلهم وغرضهم، ومصلحة أفراد منهم أو طبقات أو أمم أو أجناس يغلبونها على العدل والحق والخير. حتى تجيء شريعة الله فتنسخ هذا كله، وتشرِّع للناس جميعًا تشريعًا لا يشوبه جهل البشر ولا تميل به مصلحة فريق منهم.
وكما أن الله لا يغفر أن يشرك به. فكذلك هو لا يقبل منهجًا مع منهجه .. هذه كتلك سواء بسواء. لأن هذه هي تلك على وجه اليقين.
لا بد أن نقدم الإسلام للناس بكل قوة ووضوح:
لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسسًا، وسنكون صرحاء معهم غاية الصراحة .. هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم .. هذه الأوضاع التي أنتم فهيا خبث، والله يريد أن يطيِّبكم .. هذه الحياة التي تحيونها دون، والله يريد أن يرفعكم .. هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم .. والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى قيم أخرى تشمئزون معها من قيمكم السائدة في الأرض جميعًا .. وإذا كنتم أنتم - لشقوتكم - لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية، لأن أعداءكم - أعداء هذا الدين - يتكتلون للحيلولة دون قيام هذه الحياة، ودون تجسد هذه الصورة، فنحن قد رأيناها - والحمد لله ممثلة في ضمائرنا من خلال قرآننا وشريعتنا وتاريخنا وتصورنا المبدع للمستقبل الذي لا نشك في مجيئه!
و هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة. سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم. أم في أي مكان خاطب الناس فيه.
نظر إليهم من عل، لأن هذه هي الحقيقة. وخاطبهم بلغة الحب والعطف لأنها حقيقة كذلك في طبيعته. وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد لأن هذه هي طريقته ..
أسلوب دعوي مرفوض:
يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام .. مرة تحت عنوان: " ديمقراطية الإسلام "! ومرة تحت عنوان " اشتراكية الإسلام "! ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة!!! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات!
كلا. إن الأمر مختلف جدًا. والانتقال من هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض إلى الإسلام نقلة واسعة بعيدة، وصورة الحياة الإسلامية مغايرة تمامًا لصور الحياة الجاهلية قديمًا وحديثًا. وهذه الشقوة التي تعانيها البشرية لن يرفعها عنها تغييرات طفيفة في جزئيات النظم والأوضاع. ولن ينجي البشر منها إلا النقلة من مناهج الخلق إلى منهج الخالق، ومن نظم البشر إلى نظام رب البشر، لا بد أن نجهر أمام الناس بذلك.
وقد يكره الناس هذا في أول الأمر، وقد يجفلون منه ويشفقون، ولكنهم في النهاية سيقبلون على هذه الدعوة، كما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته.
قوة هذا الدين وسبب انتشاره و صموده في وجه الباطل:
كانت الدعوة النبوية في أول عهدها مجهولة مستنكرة من الجاهلية، وكانت محصورة في شعاب مكة، مطاردة من أصحاب الجاه والسلطان فيها، وكانت غريبة في زمانها في العالم كله. وكانت تحف بها امبراطوريات ضخمة عاتية تنكر كل مبادئها وأهدافها. ولكنها مع هذا كله كانت قوية، كما هي اليوم قوية، وكما هي غدًا قوية .. إن عناصر القوة الحقيقية كامنة في طبيعة هذه العقيدة ذاتها، ومن ثَمَّ فهي تملك أن تعمل في أسوأ الظروف وأشدها حرجًا ومن عناصر القوة في هذا الدين:
-الحق البسيط الوضاح الذي يقوم عليه.