وهو الأعلى شريعة ونظامًا.
نموذج مشرق من العلو الإيماني:
وهكذا كان المسلمون الأوائل يقفون أمام المظاهر الجوفاء، والقوى المتنفجة، والاعتبارات التي كانت تتعبد الناس في الجاهلية .. والجاهلية ليست فترة من الزمان، إنما هي حالة من الحالات تتكرر كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام، في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء ..
ها هو ربعي بن عامر-رضي الله عنه-يقف تلك الوقفة مع رستم وحاشيته قبل وقعة القادسية:
" أرسل سعد بن أبي وقاص قبل القادسية ربعي بن عامر رسولًا إلى رستم، قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالحرير وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة. ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد. وأقبل وعليه سلاحه وبيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق لخرق عامتها. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ".
مهما قوي الباطل فإن الاستعلاء واجب على المؤمن:
وقد تتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى. وينظر إلى غالبه من عل ما دام مؤمنًا. ويستيقن أنها فترة وتمضي، وإن للإيمان كرة لا مفر منها. وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسًا. إن الناس كلهم يموتون أما هو فيستشهد. وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة، وغالبه يغادرها إلى النار. وشتان شتان. وهو يسمع نداء ربه الكريم:
{لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} ... [آل عمران: 196 - 198]
ويضج الباطل وينفش ريشه، وتحيط به الهالات المصطنعة التي تغشي على الأبصار والبصائر، فلا ترى ما وراء الهالات من قبح شائه دميم، وينظر المؤمن من عل إلى الباطل المنتفش، وإلى الجموع المخدوعة، فلا يهن ولا يحزن، ولا ينقص إصراره على الحق الذي معه، ولا تضعف رغبته كذلك في هداية الضالين والمخدوعين.
وينظر المؤمن من عل إلى الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين. وهو مفرد وحيد، فلا يهن ولا يحزن، ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف، وهو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين.
ويقف المؤمن قابضًا على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع الشارد عن الدين، وعن الفضيلة، ويقف الآخرون هازئين بوقفته، ساخرين من تصوراته، فما يهن المؤمن وهو ينظر من عل إليهم، وهو يقول كما قال واحد من الرهط الكرام الذين سبقوه في موكب الإيمان العريق الوضيء، في الطريق اللاحب الطويل .. نوح عليه السلام ..
{إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} ... [هود: 38]
وهو يرى نهاية الموكب الوضيء، ونهاية القافلة البائسة في قوله تعالى: