الصفحة 51 من 54

كان - صلى الله عليه وسلم - يرى عمارًا وأمه وأباه - رضي الله عنهم - يعذبون العذاب الشديد في مكة، فما يزيد على أن يقول: " صبرًا آل ياسر. موعدكم الجنة " ..

وعن خبّاب بن الأرثّ - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد برده في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ أو تدعو لنا؟ فقال: " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه. ما يبعده ذلك عن دينه. والله ليتممن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، فلا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون " .. [1] .

وكل الآيات التي ذكر فيها النصر، وذكر فيها المغانم، وذكر فيها أخذ المشركين في الأرض بأيدي المؤمنين نزلت في المدينة .. بعد ذلك .. وبعد أن أصبحت هذه الأمور خارج برنامج المؤمن وانتظاره وتطلعه. وجاء النصر ذاته لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج واقعية في الحياة الإنسانية، تقرره في صورة عملية محددة تراها الأجيال.

وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله، في كل أرض وفي كل جيل. فهي كفيلة بأن تريهم معالم الطريق واضحة بلا غبش، وأن تثبِّت خطى الذين يريدون أن يقطعوا الطريق إلى نهايته، كيفما كانت هذه النهاية. ثم يكون قدر الله بدعوته وبهم ما يكون، فلا يتلفتون في أثناء الطريق الدامي المفروش بالعرق والدماء، إلى نصر أو غلبة هذه الأرض، ولكن إذا كان الله يريد أن يصنع بهم شيئًا من هذا لدعوته ولدينه فسيتم ما يريده الله، لا جزاء على الآلام والتضحيات .. لا، فالأرض ليست دار جزاء .. وإنما تحقيقًا لقدر الله في أمر دعوته ومنهجه على أيدي ناس من عباده يختارهم ليمضي بهم من الأمر ما يشاء، وحسبهم هذا الاختيار الكريم، الذي تهون إلى جانبه وتصغر هذه الحياة بما فيها من سراء او ضراء.

" الحرب مع الكفار حرب عقيدة " عبرة مستفادة من قصة أصحاب الأخدود:

هنالك حقيقة أخرى يشير إليها أحد التعقيبات القرآنية على قصة الأخدود في قوله تعالى:

{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8] ...

إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئًا آخر على الإطلاق. وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} ، إنها ليست معركة سياسية ولا معركة اقتصادية، ولا معركة عنصرية .. ولو كانت شيئًا من هذا لسهل وقفها، ولكنها إما كفر وإما إيمان، إما جاهلية وإما إسلام!

ولقد كان كبار المشركين يعرضون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المال والحكم والمتاع في مقابل شيء واحد، أن يدع معركة العقيدة وأن يدهن في هذا الأمر! ولو أجابهم - حاشاه - إلى شيء مما أرادوا ما بقيت بينهم وبينه معركة على الإطلاق!

وقد يحاول الكفار أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة، راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية، كي يموِّهوا على المؤمنين حقيقة المعركة، ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة. فمن واجب المؤمنين أن يدركوا أن هذا تمويه لغرض مبيت. وأن الذي يغيِّر راية المعركة إنما يريد أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها، النصر في أية صورة من الصور.

(1) رواه البخاري في صحيحه من حديث خباب بن الأرت-رضي الله عنه-برقم:6943

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت