منها: أن زلة العالم لا يصح إعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدًا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدَّت زلةً، وإلا فلو كانت معتدًا بها لم يُجعل لها هذه الرتبة، ولا نُسِب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يُشنَّعَ عليه بها، ولا يُنتَقَصَ من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا، فإن هذا كله خلاف ما تقضي رتبته في الدين ... ومنها: أنه لا يصح اعتمادها خلافًا في المسائل الشرعية، لأنها لم تصدر في الحقيقة عن إجتهاد، ولا هي من مسائل الإجتهاد، وإن حصل من صاحبها إجتهاد فهو لم يصادف فيه محلًا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد وإنما يُعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأمّا إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا، فلذلك لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها. انتهى
مسألة: بيان أقسام المنسوبين إلى البدعة
لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون مجتهدا فيها أو مقلدا، والمقلد إمّا مقلد مع الإقرار بالدليل الّذي زعمه المجتهد دليلا، والأخذ فيه بالنظر، وإمّا مقلد له فيه من غير نظر كالعاميّ الصّرف
فهذه ثلاثة أقسام بيّنها الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام.
* القسم الأول وهو على ضربين:
أ-"أن يصح كونه مجتهدا فحكمه ما أداه إليه اجتهاده فيها لأنّ اجتهاده في الأمور التي ليست دلالتها واضحة إنّما يقع موقعه على فرض أن يكون ما ظهر له هو الأقرب إلى قصد الشارع والأولى بالأدلة الشرعية دون ما ظهر لغيره من المجتهدين، فيجب عليه إتباع ما هو أقرب بدليل أنّه لا يسعه فيما اتّضح فيه الدليل إلاّ إتباع الدليل دون ما أدّاه إليه اجتهاده". [1]
فالابتداع من المجتهد لا يقع إلاّ فلتة، وبالعرض لا بالذات، وتسمّى غلطة أو زلّة لأنّ صاحبها لم يقصد إتباع المتشابه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويل النصوص، أي لم يتبع هواه، ولا جعله عمدة، والدليل عليه أنّه إذا ظهر له الحق أذعن له وأقرّ به مثاله: الحسن بن أبي الحسن البصري أبو سعيد، روى معمر عن قتادة عن الحسن قال: الخير بقدر، والشر ليس بقدر. فقال أيّوب: فناظرته في هذه الكلمة، فقال: لا أعود. قال حميد الطويل: سمعته يقول: خلق الله الشياطين وخلق الخير وخلق الشر. يعني رجع عن قوله الأول. [2]
وجاء في الاعتصام [3] أنّه يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّه كان يقول بالإرجاء ثمّ رجع عنه، وقال: وأوّل ما أفارق غير شاك أفارق ما يقول المرجئون.
قال [4] شيخ الإسلام ابن تيمية:"نعم، قد يكون متأوّلا في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدا الاجتهاد الّذي يعفى فيه عن المخطئ، ويثاب على اجتهاده، لكن لا يجوز إتباعه في ذلك كما لا يجوز إتباع سائر من قال أو عمل، قولا أو عملا قد علم الصّواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا". انتهى
(1) - الاعتصام (ص: 502)
(2) - أنظر تهذيب التهذيب (2/ 236)
(3) - (ص: 108)
(4) - اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 268)