ب- والضرب الثاني: لم يصح بمعيار العلم أنّه من المجتهدين."إنّما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من العلم الّذي ابتدع فيه، فإنّما يؤتى النّاس من قبل جهّالهم الّذين يحسبون أنّهم علماء، وإذا كان كذلك فاجتهاد من اجتهد منهيّ عنه إذ لم يستكمل شروط الاجتهاد فهو على أصل العمومية، ولمّا كان العاميّ حراما عليه النظر في الأدلة والاستنباط، كان المخضرم الّذي بقي عليه كثير من الجهلات مثله في تحريم الاستنباط والنظر المعمول به، فإذا أقدم على محرم عليه كان آثما بإطلاق". [1]
"فهو جرى باستنباط ما خالف الشرع، إذ قد اجتمع له الجهل بقواعد الشرع، الهوى الباعث عليه في الأصل إذ قد تحصل له مرتبة الإمامة والإقتداء، وللنفس فيها من اللّذة ما لا مزيد عليه، ولذلك يعسر خروج حبّ الرئاسة من القلب إذا انفرد فكيف إذا إنضاف إليه الهوى من الأصل وإنضاف إلى هذين الأمرين دليل- في ظنّه- شرعيّ على صحّة ما ذهب إليه، فيتمكن الهوى من قلبه تمكنا لا يمكن في العادة الانفكاك عنه وجرى منه مجرى الكلب من صاحبه". [2]
ويفرق بين الضربين بالمنهج العام الّذي يسلكه الإنسان.
قال [3] ابن القيم: والكلمة الواحدة يقولها إثنان يريد بها أحدهما الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر فيه. انتهى
وهذه القاعدة ننظر كيف ترجمها شيخ الإسلام ابن تيمية عمليا في كتابه درء التعارض [4] بعد أن ذكر الباقلاني وأبا ذر الهروي والقاضي أبا بكر بن العربي وأبا الوليد الباجي؛ قال:"ثم إنّه ما من هؤلاء إلاّ من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرّدّ على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنّة والدّين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلّم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف لكن لمّا إلتبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده وإلتزام لوازمه فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدّين، وصار النّاس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوسطها."
وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدّين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات"ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للّذين ءامنوا ربّنا إنك رؤوف رحيم".
ولا ريب أنّ من اجتهد في طلب الحق والدّين من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه تحقيقا للدعاء الّذي إستجابه الله لنبيّه وللمؤمنين حيث قالوا:"ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا".
ومن اتّبع ظنّه وهواه فأخذ يشنّع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صوابا بعد اجتهاده وهو من البدع المخالفة للسنّة، فإنّه يلزمه نظير ذلك أو أعظم أو أصغر في من يعظّمه هو من أصحابه فقلّ من يسلم من مثل ذلك من المتأخرين لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبُعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الّذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب. انتهى
هذا عن القسم الأول؛ أمّا القسم الثاني:
(1) - الاعتصام (ص: 107)
(2) - المصدر نفسه (ص: 109 - 110)
(3) - مدارج السالكين (3/ 521)