الصفحة 19 من 37

قال [1] الشاطبي:"يتنوع أيضا وهو الّذي لم يستنبط بنفسه، وإنّما إتّبع غيره من المستنبطين لكن بحيث أقرّ بالشبهة واستصوابها، وقام بالدعوة بها مقام متبوعه لإنقداحه في قلبه فهو مثل الأوّل وإن لم يصر إلى تلك الحال ولكنّه تمكّن حبّ المذهب من قلبه حتى عاد عليه ووالى."

وصاحب هذا القسم لا يخلو من استدلال ولو على أعمّ ما يكون، فقد يلحق بمن نظر في الشبهة وإن كان عاميا لأنّه عرض للاستدلال، وهو عالم أنّه لا يعرف النظر ولا ما ينظر فيه، ومع ذلك فلا يبلغ من استدل بالدليل الجملي مبلغ من استدل على التفصيل وفرق بينهما في التمثيل: أنّ الأوّل أخذ شبهات مبتدعة فوقف وراءها، حتّى إذا طولب فيها بالجريان على مقتضى العلم تبلد وانقطع أو خرج إلى مالا يعقل.

وأمّا الثاني فحسن الظن بصاحب البدعة فتبعه، ولم يكن له دليل على التفصيل يتعلق به إلاّ تحسين الظن بالمبتدع خاصة، وهذا القسم في العوام كثير.""

والقسم الثالث، قال [2] الشاطبي:"يتنوّع أيضا وهو الّذي قلّد غيره على البراءة الأصلية، فلا يخلو أن يكون ثمّ من هو أولى بالتقليد منه، بناء على التسامع الجاري بين الخلق بالنسبة إلى الجمّ الغفير إليه في أمور دينهم من عالم وغيره، وتعظيمهم له بخلاف الغير، أو لا يكون ثمّ من هو أولى منه. لكنّه ليس في إقبال الخلق عليه وتعظيمهم له ما يبلغ تلك الرتبة، فإن كان هناك منتصبون فتركهم هذا المقلد وقلّد غيرهم فهو آثم إذ لم يرجع إلى من أمر بالرجوع إليه، بل تركه ورضي لنفسه بأخسر الصفقتين فهو غير معذور، إذ قلّد في دينه من ليس بعارف بالدّين في حكم الظاهر، فعمل بالبدعة وهو يظن أنّه على الصراط المستقيم."

ويوضّحه ما قاله في موضع آخر [3] :"أنّ المقلد الصّرف، لابد له من قائد يقوده، وحاكم يحكم عليه وعالم يقتدي به، ومعلوم أنّه لا يقتدي به إلاّ من حيث هو عالم بالعلم الحاكم، والدليل على ذلك أنّه لو علم أو غلب على ظنّه أنّه ليس من أهل ذلك العلم لم يحل له إتباعه، ولا الانقياد لحكمه، بل لا يصح أن يخطر بخاطر العاميّ ولا غيره تقليد الغير في أمر مع علمه بأنّه ليس من أهل ذلك الأمر، كما أنّه لا يمكّن أن يسلّم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنّه ليس بطبيب، إلاّ أن يكون فاقد العقل. وإذا كان كذلك فإنّما ينقاد إلى المفتي من جهة ما هو عالم بالعلم الذي يجب الانقياد إليه لا من جهة كونه فلانا أيضا، وهذه الجملة أيضا لا يسع الخلاف فيها عقلا ولا شرعا. انتهى."

و هنا لابدّ من إبراز مسألة متعلّقة بما مضى، وهي ضابط معرفة أهل الأهواء، لاسيما وأنّ كلّ طائفة ترى أنّ من خالفها هو من أهل الأهواء.

إنّ الشرع قد دلّ على أنّ الهوى هو المتّبع الأوّل في البدع، ودليل الشرع كالتبع في حقهم ولذلك تجدهم يتأوّلون كلّ دليل خالف هواهم، ويتبعون كلّ شبهة وافقت أغراضهم.

قال تعالى:"فأمّا الّذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"

فأثبت لهم الزيغ أولا، وميل عن الصواب، ثمّ إتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى. [4]

فلما قدّموا أهواءهم على الشرع سمّوا بأهل الأهواء، وذلك لغلبة الهوى على عقولهم، واشتهاره فيهم لأنّ التسمية بالمشتق إنّما يطلق إطلاق اللقب إذا غلب ما اشتقت منه على المسمّى بها. [5]

إذا يعرف أهل الأهواء باشتهارهم في رّد المحكم والتمسك بالمتشابه، وزيغ في قلوبهم، وليس مجرد المخالفة.

(1) - الإعتصام (ص: 114 - 115)

(2) - نفس المصدر (ص: 117)

(3) - المصدر نفسه (ص: 503)

(4) - المصدر نفسه (ص: 105)

(5) - المصدر نفسه (ص: 107)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت