-الأولى: الردود العلمية بين أهل العلم وطلبته،"ولهذا نجد كتب العلماء المصنفة في أنواع العلوم الشرعية ممتلئة من المناظرات، ورد أقوال من تضعّف أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم، ولا ادّعى فيه طعنا على من ردَّ عليه قوله، ولا ذمَّا، ولا نقصًا، اللهم إلا أن يكون المصنف ممن يفحش الكلام، ويسيء الأدب في العبارة، فينكر عليه فاحشته وإساءته، دون أصل ردّه، ومخالفته، إقامة للحجج الشرعية، والأدلة المعتبرة، وسبب ذلك أنّ علماء الدّين كلهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسولَه، ولأن يكون كلّه لله، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كلِّه من غير شذوذ منه ليس هو مرتبة أحد منهم، ولا ادّعاه أحد من المتقدّمين، ولا من المتأخّرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحقّ ممن أورده عليهم، وإن كان صغيرًا، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إن ظهر في غير قولهم" [1] .
ومن شروط هذا النوع من النصيحة:
قال [2] الإمام ابن القيم: طريق أهل العلم طلب أقوال العلماء وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأقوال الخلفاء الرّاشدين فما وافق ذلك منهم قبلوه، ودانوا الله به، وقضوا به، وأفتوا به، وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردّوه، وما لم يتبيّن لهم كان عندهم من مسائل الإجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الإتباع لا واجبة الإتباع، من غير أن يلزموا بها أحدا، ولا يقولوا إنّها الحق دون ما خالفها، هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا، وأمّا هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق، وقلّبوا أوضاع الدّين فزيّفوا كتاب الله وسنّة رسوله وأقوال خلفائه وأصحابه، فعرضوها على أقوال من قلّدوه، فما وافقها منها، قالوا:"لنا"وإنقادوا له مذعنين، وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: إحتّج الخصم بكذا وكذا ولم يقبلوه، ولم يدينوا به. وإحتال فضلاؤهم في ردّها بكلّ ممكن، وتطلبوا لها وجوه الحيل الّتي تردّها، حتّى إذا كانت موافقة لمذهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها شنّعوا على منازعهم، وأنكروا عليه ردّها بتلك الوجوه بعينها، وقالوا لا تردّ النّصوص بمثل ذلك، ومن له همّة تسموا إلى الله ومرضاته، ونصر الحق الّذي بعث الله به رسوله أين كان، ومع من كان لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخلق الذميم. انتهى
-الصورة الثانية من الردود العلمية: الردّ على المخالفين من المبتدعة والمتشبهين بالعلماء وليسوا منهم فالرّدّ على أهل البدع والأهواء باب شريف من أبواب الجهاد عظيم. قال شيخ الإسلام:"فالرَّادُّ على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذّبّ عن السنة أفضل من الجهاد، فالرّدّ على أهل الباطل ومجادلتهم، ومناظرتهم، حتى تنقطع شبهتهم، ويزول عن المسلمين ضررهم مرتبة عظيمة من منازل الجهاد باللسان، والقلم أحد اللسانين". [3]
والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها: أنّ في هذه الصورة: الردّ غالبا منوط بالتحذير من المردود عليه بخلاف الصورة الأولى [4] .
(1) 1 -"الفرق بين النصيحة والتعيير"للإمام ابن رجب الحنبلي (ص: 8) دار الشهاب - باتنة - الجزائر.
(2) - إعلام الموقعين 2/ 160
(3) - ولهذا النوع من النصيحة شروطا وآدابا، انظر لزاما كتاب الشيخ بكر أبو زيد:"الرد على المخالف من أصول الإسلام".
(4) - وثمة فرق شاسع بين المبتدع وصاحب البدعة - أي المجتهد المخطئ - فتنبّه. وانظر في ذلك: كتاب"الاعتصام"للشاطبي، ورسالة"الجرح والتعديل"للإمام جمال الدين القاسمي.
و سيأتي توضيح ذلك إن شاء الله.