إن الرصيد الحقيقي لهذه النية الطيبة ، هو مقدرتها على مقاومة الهوى من داخل النفس ، والطاغوت من خارجها . فإذا لم تتحول إلى المقاومة الواقعية أو لم تقدر عليها .. فهل تزيد على فقاعة جميلة المنظر تنفثئ عند أول لمسة ، وتضيع في الفضاء ؟!
ومن أجل ذلك لم يكتف الإِسلام قط بالنية الطيبة ، ولم يَتَلَهّ بها عن العمل المثمر في واقع الحياة .
ومن أجل ذلك لم يقل القرآن"الذين آمنوا"وإنما قال دائما:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات".. ما وقر في القلب وصدقه العمل ..
وكان الإسلام بذلك دين الفطرة ، لأنه يتمشى مع فطرة الكون وناموس الوجود .
وكان ذلك - كما قلنا - بديهية من البديهيات التي فهمها المسلمون الأوائل عن الإسلام .
ومن إدراكهم لهذه البديهية في المفهوم الإِسلامي عملوا في عالم الواقع لتحقيق الفكرة الإِسلامية ، ولم يكتفوا بالأماني الطيبة والمثل المعلقة في الفضاء .
عملوا في السلوك الفردي من ناحية ، وفي الواقع المادي للمجتمع الإسلامي والدولة الإِسلامية من ناحية أخرى .
لم يفهم أحد من المسلمين الأوائل أنه يستطيع أن يكون مسلما - بالنية الطيبة - وهو يخالف الإِسلام في سلوكه الواقعي ، اعتمادا على أن الله"رب قلوب"وأنه مطلع على بواطن النفس ، مدرك للنوايا الطيبة المختفية وراء الأعمال !! وإنما أدركوا أن النية والعمل وجهان لأمر واحد لا دلالة لأحدهما بدون الآخر . النية الطيبة وحدها بدون عمل هي تَمَنٍّ فارغ لا رصيد له من الواقع . والعمل وحده المنقطع عن النية الطيبة ، عمل ضائع في السماء والأرض ، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه خالصًا - وهذا هو معنى النية الطيبة - ومقاييس الأرض ذاتها تكشف الزيف ولو بعد حين !