والهوى من داخل النفس ، والطاغوت من خارجها قوى"حقيقية"واقعة متحركة ذات ضغط وثقل واندفاع . ومن ثم فالنية وحدها لا تكفي لمقاومتها ، فضلا عن التغلب عليها لإِحداث الحركة المستقيمة في الطريق الصحيح .
وتلك بديهية من بديهيات النفس وبديهيات الحياة ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدركها حق إدراكها وهو يقول:"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل". كما كان يدركها أصحابه الأوائل وهم يجاهدون ويجهدون ليقيموا أنفسهم على النهج ، ويقيموا المجتمع على قواعد الإِسلام .
ما قيمة النية الطيبة المخلصة في واقع الحياة ؟!
أو - من جانب آخر - ما عيبها ؟
عيبها أنها خداع ! أنها تخيِّل إليك - وأنت تحلم - أنك بدفعة صغيرة قد تستيطع أن تحرك الكون !
ولكنك لم تجرب كم يحتاج من الجهد أن تحرك المنضدة من الأرض !
أنت مقتنع - بإِخلاص - أنك نظيف القلب نقي السريرة مستقيم الطباع ، متصل بالله عامل بما يرضاه .
نعم .. ولكن حين يحتاج ذلك منك أن تمتنع عن رغبة من رغباتك ، أو تغير إلفك وعادتك ، أو تقاليد المجتمع الذي تعيش فيه ؟! حين يحتاج منك أن تقف في وجه الناس تحولهم عن انحرافهم ، أو تدفعهم عن طريقك لكي لا يحرفوا خطواتك عن الطريق .. وينالك من ذلك الأذى والألم والحرمان ؟!
حين يحتاج منك أن تواجه الطاغوت - أي أنواع الطاغوت - وتتعرض حياتك للأخطار ؟!
ما موقفك عندئذ ؟ وما الرصيد"الواقعي"للنية الطيبة الكامنة في ضميرك ؟!
حقا .. إنه لا قيمة لشيء ولا لعمل بدون هذه النية الكامنة في النفس . ولكن هي وحدها ما قيمتها إذا لم تتحول إلى قوة ظاهرة تعمل في واقع الحياة ؟
وهل كان تعنتا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول:"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل"؟
أم إن الرسول كان واقعيا إلى أقصى درجات الواقعية ؟