لم يفهم أحد من المسلمين الأوائل أنه يستطيع أن يكون مسلما - بالنية الطيبة - وهو ينساق مع هواه الذاتي في أمر من أمور الحياة ، إيثارا لمغنم قريب ، أو راحة متاحة ، أو ضنا بالنفس عن التعب والجهد والأخطار ! أو ينساق مع المجتمع - غير المسلم الذي كان يواجهه أولا - في تقاليده أو انحرافه ، إيثارا لراحة البال ، أو حرصا على المكانة والتقدير والاحترام في ذلك المجتمع ، أو صونا للنفس من أذاه ، سواء كان هذا الأذى هو الغمز واللمز والتحقير والسخرية ، أو كان الأذى المادي الذي يؤذي البدن ويحرم من القوت أو يعرض الحياة نفسها للزوال .
إنما أدركوا إن الإِسلام معناه تنفيذ الإِسلام في عالم الواقع . معناه أن السلوك الشخصي لكل منهم يجب أن يكون إسلاميا مهما ترتب على ذلك من الأخطار . وأن المجتمع الذي يتألف منهم يجب أن يكون إسلاميًا كذلك ، مهما ترتب على ذلك من الأخطار .
وهنا حقيقة نذكرها ..
إن النفس لا تستقيم دائما على النهج ، ولا تقدر دائما على مواجهة الصعاب .
وإنها لتضعف أحيانا عن هذا وذاك: ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) (1)
والله يعلم من عباده ضعفهم ، ويقيل منهم عثرتهم ويقبل توبتهم .. ما داموا لا يصرون على العصيان: ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (2) .
(1) سورة النساء [ 28 ] .
(2) سورة آل عمران [ 134 - 135 ] .