الصفحة 12 من 154

ولكن هناك فرقا بين هذه الحقيقة المقررة في حياة البشرية ، وبين الظن بأن النية الطيبة وحدها تكفي للحياة وتكفي للإِسلام ! .. فإنما قبل الله التوبة عن عباده وكتب على نفسه الرحمة ، للذين يجاهدون في تحويل النية الطيبة إلى عمل واقعي مثمر ، ثم يسقطون من الجهد في الطريق ، ولكنهم لا يصرون على سقطتهم ، إنما يقومون من عثرتهم ، يتوجهون إلى الله أن يقيلهم منها ، ويقبلهم في عباده .. فيمن الله عليهم بالمغفرة والرضوان: ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) (1) .

ولم يفهم المسلمون الأوائل أنهم يستطيعون ان يكونوا مسلمين - بالنية الطيبة - ثم يتركوا المجتمع غير المسلم على ما هو عليه ، حتى ولو لم يجاروه في انحرافه وينساقوا معه في الانحراف .

وإنما فهموا أن معنى إسلامهم هو تحويل هذا المجتمع المنحرف إلى مجتمع مسلم يؤمن بالله ويلتزم بحدود ما أنزل الله .. وإلا فما هم بمسلمين !

وكان جهادهم كله هو حصيلة هذه الإِدراك البديهي لمعنى الإِسلام .

الإسلام حركة في داخل النفس وفي حقيقة الواقع .. وما كان من الممكن أن تستقر هذه العقيدة في نفوس المسلمين دون ان تتحول منها إلى واقع الحياة . وهذا هو الذي حدث في المجتمع الأول الذي نشأ فيه الإِسلام . فبمجرد أن استقرت حقيقة الإِيمان في نفوس المسلمين القلائل الذين رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم وصنعهم على عينه ، أخذت الحركة تمتد من نفوسهم إلى المجتمع الخارجي المنحرف يريدون تقويمه ، وإلى النفوس الضالة يريدون هدايتها ، وإلى التقاليد المنتكسة يريدون رفعها إلى المستوى اللائق ببني الإِنسان ، مهتدين في ذلك كله بهدي الله ورسوله ، والقدوة العملية المتمثلة في تصرفات الرسول .

(1) سورة الفرقان [ 70 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت