الصفحة 126 من 154

"وبعد بضعة عقود جاء زمن أخذ فيه علماء الغرب يدرسون الثقافات الأجنبية ويواجهونها بشيء من العطف ، أما فيما يتعلق بالإِسلام فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية . وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوربة والعالم الإِسلامي غير معقود فوقه بجسر . ثم أصبح احتقار الإِسلام جزءا أساسيًا من التفكير الأوربي . والواقع أن المستشرقين الأولين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإِسلامية ، وكانت الصورة المشوهة التي اصطنعوها من تعاليم الإِسلام وتاريخه مدبرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوربيين من"الوثنيين" ( أي المسلمين ! ) غير أن هذا الالتواء العقلي قد استمر ، مع أن علوم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير ، ولم يبق لعلوم الاستشراق هذه عذر من حمية دينية جاهلية تسيء توجيهها . أما تحامل المستشرقين على الإِسلام فغريزة موروثة وخاصة طبيعية تقوم على المؤثرات التي خلقتها الحروب الصليبية ، بكل ما لها من ذيول ، في عقول الأوربيين الأولين".

ولقد أدى المستشرقون خدمات جليلة للمباحث الإِسلامية دون شك ... فطريقتهم المنظمة ، وصبرهم العجيب على استخلاص النصوص وتحريرها - وإن كانت لهم أخطاء كثيرة في فهم النصوص وتفسير الأحداث - وجلدهم المثالي على الغوص في بطون الكتب العربية القديمة التي لا رابط في تأليفها ولا نظام ، والتي لا يصبر عليها العرب أنفسهم أصحاب هذه اللغة وحماتها والقائمون عليها ، ولا يتجهون إلى البحث فيها وهي تراثهم الذي ينبغي عليهم حفظه ونشره والاستفادة به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت