الصفحة 130 من 154

وهذه هي الخدعة الماكرة .. فمن ذا الذي يشك - وهو يرى كاتبا مسيحيا لا يؤمن بالإِسلام يكيل له هذا المديح كله - من ذا الذي يشك بعد ذلك في صدق كل حرف يقوله ، وفي أن هذه المطاعن موجودة حقيقة في الدين ، وإنما كان يخفيها عن بصيرته التسليم الأعمى الموروث ، حتى قيض الله له ذلك"العالم النزيه"ليكشف له عن الأباطيل ، ويريه الحقائق في وضح النور .. وفي ضوء"العلم"الذي لا يتحيز ولا يميل ؟!!

فإذا هززت أحدهم من غفوته وغفلته .. وقلت له كيف تنتظر من غير مسلم أن يقول لك الحق في أمر الإِسلام ؟! وكيف تتخذ منه مصدر المعرفة في أمر دينك وهو لا يؤمن بهذا الدين ؟ قال - بلسانه ، وهو ما يزال في غفلة المبهور - حقًا إنه لا يؤمن بالإِسلام .. ولكنه يبحث بحثًا"علميًا"حرًا لا علاقة له بالدين !!!

وجميل أن نأخذ عن المستشرقين طريقة البحث المستأنية الصابرة المنقبة في بطون الكتب وحواشيها ، ونحن أقدر منهم بعد ذلك على فهم النصوص وتأويلها ، وتفسير الحوادث ووزنها ، وتقويم الشخصيات ووضعها في مكانها الصحيح .. أما أن نأخذ"حقائق"الدين عنهم .. ؟!

ألا إنها الفتنة الصليبية التي تحيق بالمسلمين !

وأمامي الآن كتاب أَعُده أخبث ما قرأت من كتب المستشرقين ! ذلك هو كتاب"الإِسلام في التاريخ المعاصر"الذي أشرت إليه أكثر من مرة في فصول هذا الكتاب .

إنه يسير على الطريقة ذاتها .. طريقة التمجيد .. ثم دس ما يريد من الأفكار في ظل هذا التمجيد .

ولكن عنصر الخبث الزائد فيه أنه يقرّ لك بحقائق لا تتصور أن كاتبا غربيا مسيحيا يمكن أن يقرّ لك بها بحال من الأحوال . وذلك ليعطيك جو"الثقة"المطلقة ، والنزاهة العلمية الكاملة التي لا تحتمل أي شك ولا تأويل !

فهو - كما أثبتنا من قبل - يقر لك بأن أوربا لا تستطيع أن تنسى الحروب الصليبية ، ولا أن تخرج من ذاكرتها أن الإسلام ظل يهددها في عقر دارها بضعة قرون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت