وقد كان"التصنيع"مثلا ، تطورا عالميا خيّرا في كثير من جوانبه .. فهل سمح له الاستعمار الصليبي أن يلج باب العالم الإِسلامي ويستقر في أرجائه ؟ أم منعه بكل شدة وحسم ، واحتفظ بالبلاد الإِسلامية في حالة ذريعة من التأخر الصناعي والاقتصادي ليخدم أغراضه الخاصة ؟
وإنما فتح الباب على مصراعيه للفساد الخلقي والديني باسم التطور ، لأن ذلك يخدم أغراضه في حل أخلاق الأمة الإِسلامية وتفتيت قوتها ، ومنع عنها في ذات الوقت كل وسائل القوة والفلاح ، ولو كانت تطورًا عالميًا"حتمي"الانتشار .
وهذا مثل واحد ، لعله يوضح الكثير من القضايا التائهة في أذهان المسلمين وهم يفكرون في"التطور"وفي"الحتمية"وما أشبه ذلك من أضاليل الاستعمار .
بقي أن نعرف ما هذه"التيارات العالمية"التي فتح الاستعمار أبواب العالم الإِسلامي لاستقبالها ، ومنع وسائل مقاومتها وحطّمها ، ونفّر منها باسم الرجعية والجمود والتأخر والانحطاط ...
ليس من السهل تلخيص قرنين من"التطور"في بضعة سطور .
وقد بينت في كتاب"معركة التقاليد"في فصل"جولة مع التاريخ"كيف سارت الأمور في أوربا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وكيف انتقلت أوربا من شعوب متدينة ذات تقاليد مبنية على الدين - أيًا كان هذا الدين ، وأيًا كانت درجة هذا التدين ومتانة تلك التقاليد - إلى أمم لا عقيدة لها ولا أخلاق ولا تقاليد .. تعيش في جو مادي ملحد ، منفلتة من كل قيد ، غارقة في المتاع الحيواني الغليظ .
وقلت هناك إن دارون يمثل خطًا بارزًا في ذلك التطور .. فقد ولد دارون سنة 1809 وفي سنة 1859 نشر كتابه"أصل الأنواع"، وفي سنة 1871 نشر كتاب"أصل الإِنسان".
وحدثت يومئذ زلزلة عنيفة في عقائد الناس .
فقد كان المفهوم المستمد من الدين أن الإِنسان كائن متميز . كائن له روح تميزه عن سائر الحيوان .