الصفحة 138 من 154

وقد ترتبت على هذه الحقيقة قيم روحية ومعنوية ودينية وفكرية .. لا توجد في عالم الحيوان .

وبغض النظر عن درجة تمسك الناس هناك بهذه القيم ، فقد كانت"موجودة"على أي حال .. موجودة ولو في الحس الباطن .. تضبط قليلا من انطلاق الحيوان الكامن في الإنسان .

ولكن دارون جاء يعلن أن الإِنسان حيوان متطور .. ولا زيادة !

حيوان بحت .. لم ينفخ الله فيه من روحه ولم تتدخل قوة عليا في تكوينه .. إنما هو نهاية التطور الحيواني ، لا يزيد على الحيوان سوى ما اكتسبه في أثناء تطوره البطيء في ملايين من السنين !

وقام بين دارون وبين الكنيسة صراع شديد في أمر الإِنسان: هي ترميه بالإِلحاد والكفر ، وهو يرميها بالجهل والتخريف .

ووقفت الجماهير في أول الأمر في صف الكنيسة . فقد عزّ عليها أن يحقّر دارون الإِنسان ويشوه صورته ، برده إلى أصل مادي حيواني ، ونفي النفخة العلوية عنه ، وسلبه مكانه الرفيع في الكائنات .

ولكنها عادت فأيدت دارون ضد الكنيسة !

لقد كانت الكنيسة في العصور الوسطى قد تحولت من معنى الرحمة والروحانية التي توحي بها طبيعة المسيحية ، إلى سلطان دنيوي قاهر مذل . وراحت تفرض على الناس ألوانا من الإِتاوات ، إتاوات مالية وروحية وفكرية . تفرض عليهم الضرائب المرهقة والعشور والعمل المجاني في أرض الكنيسة ، وتفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين ، وتفرض عليهم أفكارا معينة بوصفها كلمة السماء ، من خالفها فهو ملحد وخارج على الدين ..

لذلك وجدت الجماهير المكبوتة المحقورة فرصة سانحة للانتقام من الإذلال الذي كانت تفرضه الكنيسة عليهم ، وقاموا يناصرون دارون رغم تحقيره"للإِنسان"!

ولم يقف الأمر - في فورة الغضب والحماسة - عند تحطيم الكنيسة ذاتها ، بوصفها كيانا"بشريا"مهما تكن قداسته .. وإنما انتهى الأمر بتحطيم الدين ذاته والخروج من كل معانيه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت