وارتدت أوربا منذئذ رومانية خالصة .. مادية وثنية ملحدة ، لا تؤمن بغير المادة المحسوسة والواقع الذي تدركه الحواس .. ولا تستجيب إلا للنفع المادي القريب !
وانساحت تلك الموجة المادية تشمل كل وجه من وجوه الحياة ..
الاقتصاد .. والسياسة .. والدين .. والأخلاق .. والتقاليد .. وعلاقات الناس بعضهم ببعض .
وظهر التفسير المادي للتاريخ . والتفسير الجنسي للسلوك البشري ..
وكلاهما امتداد للمفهوم الدارويني للإِنسان (1) .
التفسير المادي للتاريخ يفسر الحياة كلها تفسيرا ماديا: تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام . القوى المادية هي التي تكيّف حياة البشرية وتنشئ لها أفكارها وعقائدها . الأفكار والمشاعر والعقائد ليست قيما ذاتية ، وليست هي التي تحرك الناس أو ترسم لهم سلوكهم العلمي في واقع الحياة . وإنما هي لاحقة"للتطور"الاقتصادي والمادي ، ومرتبطة به .
ليست هناك قيم ثابتة اسمها الدين . أو اسمها الأخلاق . أو اسمها التقاليد .. لا شيء ثابت على الإِطلاق .
إنما كل عصر له مفاهيمه وقيمه التي تناسبه . والتي لا تناسب غيره من العصور .
الدين والأخلاق والتقاليد كانت من مفاهيم العصر الإِقطاعي ومن مستلزماته . أما العصر الصناعي فلا دين له ولا أخلاق ولا تقاليد . إنه عصر متحرر ! عصر منطلق كالآلة التي تسيطر عليه . ينشئ مفاهيم جديدة و"أخلاقا"جديدة . وليس الدين من بين هذه المفاهيم ، لأن البشرية في عصر العلوم والصناعة قد شبت عن الطوق . لم تعد في حاجة إلى أساطير الدين وخرافاته . إنها تعيش في الواقع الملموس . الواقع الذي تدركه الحواس . والدين .. وكل الأفكار"الميتافيزيقية"التي لا يمكن للحواس أن تدركها لم تعد تتناسب مع"نمو"البشرية وتطورها .. إنها من مخلفات العصر البائد التي لا يمكن أن تعود !
(1) انظر كتاب"معركة التقاليد"فصلي:"جولة مع التاريخ"و"حقائق وأباطيل".