الصفحة 142 من 154

نعم . لقد كانت أوربا في غشيتها الحيوانية تؤمن بهذا الهبوط الحيواني البشع على أنه تطور وتقدم وارتفاع . ولكن أوربا مع ذلك لم تكن قد فسدت كل جوانبها بعد . كانت ما تزال فيها"فضائل"حقيقية . من أبرزها فضيلة"العمل"و"الإِنتاج"و"التنظيم"والصبر الشديد على الجهد ، والجلد الطويل على الصراع .. كل تلك فضائل حقيقية لم تكن قد فسدت بعد بموجة الفساد الخلقي الهابط ، وموجة الحيوانية الفظيعة ( وإن كانت قد وصلت إلى نتيجتها"الحتمية"فيما بعد في فرنسا وغيرها من البلاد فدمرت كيانها ) .. أما هذا الشرق المستعبد فماذا كان فيه من تلك الفضائل حتى يتحمل هذا"التطور"كله ولا يضعف ولا ينحل من قريب ؟!

لقد كان الضعف السابق في ظل الحكم التركي ، والضعف اللاحق في ظل الاستعمار الصليبي قد دمرا كل فضائله الذاتية القديمة ، التي استمدها من الإسلام يوم كان قوة حية فاعلة ، ممتدة في الأرض في كل فروع الحياة من علم وعمل وإنتاج وفتح واتساع ..

وكان في حاجة إلى"تطور"من نوع آخر .. تطور يعيد إليه إنسانيته المسلوبة وقوته المحطمة .. يعيد إليه أخلاقه وتقاليده على أصولها الحقيقية: قوة حية في داخل النفس ، متحققة في واقع الحياة .

وقد كان هذا هدف الحركات الإِسلامية التي حرص على تحطيمها الاستعمار .

أما هذا"التطور"الأوربي الحيواني ، فقد أسرع الاستعمار يفتح له الأبواب ، ويؤجر له الأبواق من المستعبدين الذين رباهم من قبل و"ثقفهم"وأطلقهم ينشرون سمومه في الآفاق .

ونعود إلى أوربا .. نساير"التطور"هناك .

لقد نشأ من المفاهيم الداروينية للإِنسان رغبة زائدة في"المتاع".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت