".. لقد لاحظ الباحثون ( في أمر هذا الدين ) بروز وضع المجتمع في الإِسلام ... ومن البيّن أن المجتمع الإِسلامي ذو تماسك ملحوظ ، وأن ولاء أعضائه وترابطهم عظيم القدر . وقد أدرك كثيرون أن الجماعة ( الإِسلامية ) ليست مجموعة اجتماعية فحسب ، بل مجموعة دينية . وأن"الدين والدولة"أمر واحد إذا استخدمنا تعبيرنا الغربي غير المناسب .. إن المجتمع الإِسلامي لا يترابط بعضه مع بعض - كالمجتمعات الأخرى - بمجموعة من الولاءات والتقاليد فحسب ، وبنظام متقن السبك من القيم والعقائد . ولا هو نتاج مثل أعلى رفيع فحسب ، بل إنه ينبض بالحيوية الناجمة عن اقتناع شخصي عميق ، اقتناع ديني له حرارته ودلالته في نفس كل عضو من أعضائه . ونستطيع أن نقول إن هذا المجتمع - هذه الجماعة - هي التعبير عن المثل الأعلى الديني ، مستخدمين كلمة"ديني"بالمعنى الفردي الذي سبق شرحه . وإذا كانت عقيدة ما أو نظام ثيولوجي ( قائم على أساس ديني ) يمكن أن يكون تعبيرا عن الصورة العقلية للاعتقاد الشخصي - كما هو الشأن في كثير من الحالات ، وفي المسيحية بصفة خاصة - فإن النظام الاجتماعي بما يحويه من ألوان النشاط المختلفة هو التعبير - في صورة عملية - عن الاعتقاد الشخصي للمسلم".
ولا نحتاج أن نمضي طويلا في اقتطاف النصوص أو تتبعها عند المستشرقين ، فقد أبرزوا كلهم هذه السمة الواضحة في المفهوم الإسلامي والتاريخ الإِسلامي: وهي أن المجتمع الإِسلامي منبثق من العقيدة الإِسلامية وقائم عليها ، بحيث لا يمكن فصل المجتمع عن العقيدة ، ممثلة في سلوك عملي مستمد من التشريع الشامل الذي يأخذ كل منحى من مناحي الحياة .
وقد كانت تلك - كما أسلفنا - بديهية من بديهيات المفهوم الإِسلامي عند المسلمين الأوائل ، فلا إسلام بغير مجتمع مسلم ، ولا إسلام بغير جهد واقعي - من كل فرد مسلم - لإقامة المجتمع على أسس مستمدة من شريعة الإسلام .