فالشخص المؤمن - المهتدي بهدي الله ، والمهتدي - من ثم - إلى ناموس الكون وناموس الحياة - هو فعلا شخص"أعلى"من بقية المخلوقات ."أعلى"لأنه يشرف على الكون من أفق أكبر وأضخم من آفاق البشر الذين لم يفتح الله عليهم بنعمة الإيمان . وفكرته عن الله والكون والحياة أكبر وأضخم من فكرتهم . وفكرته عن الإِنسان خاصة ، وعن الحياة الإنسانية ، هي أوسع وأشمل فكرة يمكن أن تخطر على قلب إنسان .
ثم إن هذه الفكرة الواسعة الشاملة عن الإنسان والحياة والكون ، هي ذاتها التي تحقق لهذا الاستعلاء في عالم الواقع ، رصيده من القوة المادية والمعنوية ، فإذا هو استعلاء متحقق في عالم الواقع كتحققه في عالم النفوس .
وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الحقيقة على أوسع مجالاتها وأعمقها .
فقد كان كل فرد منهم يدخل الإيمان في قلبه يحس من فوره أنه إنسان جديد أعلى من كل ما حوله من جاهليات الأرض .
ولم يكن ذلك - كما يبدو لأول وهلة - لأن الاهتداء إلى فكرة التوحيد ، يكشف للنفس عن تفاهة الأوثان وتفاهة التعبد إليها فيبعث في النفس الاستعلاء عليها . لقد كان هذا حقيقة ، ولكنه لم يكن كل الحقيقة في أمر الاستعلاء .
فلم تكن الوثنية مجرد"عقيدة"يواجهها المسلم بفكره وضميره فيستعلي عليها .
وإنما كانت"قوة"مادية ومعنوية .. قوة تتمثل في الرجال والمال والسلاح .. كما تتمثل في النفوذ والسيطرة والقدرة على الأذى والقدرة على الحيلولة بين الهدى وبين الوصول إلى الناس .
وهذا كله هو الذي استعلى عليه المسلمون الأوائل وهم أفراد ضئيلو العدد ضئيلو القوة ، لا حول لهم ولا طول . وصمدوا للكيد كله حتى انتصروا عليه .
فلم يكن استعلاء الفكر والمشاعر وحده . ولكنه استعلاء له رصيد في عالم الواقع يواجه القوة المادية والمعنوية ، المتمثلة في باطل الجاهلية التي تقف في طريق المؤمنين وتحاول تحطيمهم بكل سبيل .