ومرة أخرى استعلى المسلمون على جاهلية تفوقهم في القوة المادية والمعنوية حين جابهوا الفرس والروم .
فحين واجه المسلمون الفرس والروم ولم يستعلوا بعددهم - فقد كانوا قلة بالنسبة لهؤلاء - ولا بالمال فقد كانوا - بعد - أمة فقيرة تعيش على الكفاف ، ولا بالسلاح فقد كان أعداؤهم يفوقونهم لا بنوع السلاح وحده ، ولكن كذلك بالتنظيم الحربي والتمرس بفنون القتال المنظم على نطاق واسع ، غير ما عهده العرب في غاراتهم الصغيرة قبل الإسلام . ولا بعربيتهم - فقد كانوا فخورين بها حقًا ، ولكنها لم تدفعهم من قبل أبدًا إلى مواجهة تلكما الإمبراطوريتين العتيدتين ، بل كانت بعض القبائل العربية تخدم نفوذهما ، وتعمل أجيرة لهما لتصد عنهما هجمات الأعراب . ولا بحضارتهم ، فقد كانت الإِمبراطوريتان دون شك أعلى حضارة بما لا يقاس من سكان شبه الجزيرة في جميع العصور !
وإنما استعلوا بشيء واحد: هو الإيمان . استعلوا بإحساسهم أنهم - وهم مؤمنون - أفضل من كل هذه الخلق ، مهما كان عددها وقوتها وعتادها وحضارتها ونظمها وقوانينها وتشريعاتها .. فكلها انحرافات جاهلية ما دامت لا تهتدي بهدي الله ولا تتبع شريعة الله .
ثم كانت العجيبة التي علم الله أنها لا بد أن تحدث حين يستعلي الناس بالإِيمان على طريقة الإِسلام !
فقد سعت هذه القوة المستعلية بالإِيمان ، إلى تحقيق ذاتها في عالم الواقع - في كل ميدان من ميادين القوة - فتعلمت العلم ، وتعلمت فنون الحرب ، وتزودت بأنواع السلاح ، وتعلمت الحضارة . وتحقق لها في عالم الواقع أن كانت أكبر قوة في تاريخ الأرض ، فاندفعت شرقًا وغربًا بسرعة مذهلة لا مثيل لها في التاريخ ، واندفعت - مستعلية - تنشر الهدى وتدك الباطل دكا ، متغلبة على جميع العوائق المرصودة في الطريق .