كما فهموا من قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (1) أن أحداث الحياة لا تحدث جزافًا . صحيح أن كل شيء يحدث بإرادة الله ، وأن لله علم ما في السماوات والأرض ، وأن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. ولكن إرادة الله العليا قد اقتضت تكريم الإَِنسان - خليفته على الأرض - بإعطائه هذا الدور الإِيجابي في الحياة ، ويجعل إرادة الله ماضية عن طريق إرادة الإِنسان . وهكذا تصبح إرادة الإِنسان - وأعماله - هي التي تصنع التاريخ وتصنع الأحداث . لأن الله - مع قدرته المطلقة سبحانه - لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ولا يحدث لهم غير ما يحدثونه هم بأنفسهم لأنفسهم .
كما فهموا كذلك من قوله تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) (2) أن الفساد ليس قدرًا غيبيًا ينزل بالأرض وهي غافلة عن أسبابه ، وإنما ينزل بالأرض بما كسبت أيدي الناس . فالناس هم القوة الفاعلة في حياة الأرض ، وحسبما يعملوا تكن نتيجة عملهم في الخير أو الشر .
(1) سورة الرعد [ 11 ] .
(2) سورة الروم [ 41 ] .