وقد تفرعت عن هذا المفهوم الإِجمالي - أو انبسطت معه بتوجيهات القرآن المفصلة وسلوك الرسول العملي - عدة مفاهيم أخرى ، كانت عميقة الغور في نفوس المسلمين الأوائل ، تنعكس في مشاعرهم وأفكارهم وتصرفاتهم ، وإن لم"يفلسفوها"كما نفلسفها نحن ، ويكتبوا فيها الكتب والمجلدات !
فهم المسلمون - بداهة - أن النية وحدها المضمرة في القلب لا يمكن أن تكون إسلاما ! وأنه ما لم تتحقق هذه النية في أعمال محسوسة وسلوك واقعي ، فهي لا تساوي شيئًا في ميزان الواقع وميزان الله . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي . ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل" (1) .
ونحن - بعد أن تفلسفنا وتوسعنا في المعرفة السيكلوجية خاصة - ندرك صدق هذه البديهية وعمق دلالتها في حياة الإِنسان .
إن الإِنسان كثيرا ما يخيل إليه أنه مقتنع بفكرة ما تمام الاقتناع ، وأنه ممتلئ بها إلى حد التشبع ، وأنه ليس في حاجة إلى أن يحدث نفسه فيها أو يحدثه أحد غيره ، فهي مقررة في أعماق نفسه ، مستقرة فيها ، لا شك في أمرها ولا جدال .
ثم يكون هذا كله خداعا لا رصيد له من الواقع .. أو هو رصيد ضئيل لا يكفي لتحريك عجلة الحياة .
إنك وأنت جالس تحلم يخيل إليك أنك بدفعة صغيرة قد تستطيع أن تحرك الكون !! ثم تحاول تحريك منضدة من مكانها فإذا هي تثقل عليك ، وإذا أنت محتاج - لكي تزحزحها من مكانها - أن تزيد من قوتك الدافعة ، أو أن تنمي الرصيد الواقعي للرغبة الكامنة في نفسك ، حتى تتعادل مع المقاومة أولا ، ثم تأخذ في الزيادة بعد ذلك . وبقدر ما تزيد ، تكون الحركة المحسوسة في عالم الواقع ؛ وتكون الحركة هي المقياس الحقيقي للرصيد .
وليست هذه حقيقة خاصة بعالم الإِنسان وحده ، ولكنها حقيقة من حقائق الكون الأكبر ، وجزء من ناموس الوجود .
(1) عن أنس رضي الله عنه .