الصفحة 95 من 154

هنا تلتبس المسألة على أفكار المسلمين .. وهي لا تلتبس عليهم إلا بسبب ما دسه الاستعمار الصليبي في أفكارهم ، وألح في تثبيته ، من أنه لم يكن هناك إلا أحد أمرين: إما الاستمرار في الخضوع المذل لمظالم الخلافة .. وإما الانفصال عنها في حركات استقلالية .. وليكن بعد ذلك ما يكون .. بل ليكن دخول النفوذ الغربي في البلاد"المستقلة"هو الثمن الذي تدفعه تلك البلاد للتخلص من ظلم الخلافة وتجبر الأتراك الحاكمين .. ثم تزيد الدعاية الاستعمارية الأمر لبسا في أذهان المسلمين ، حين تقول لهم إن النفوذ الغربي كان معناه الإصلاح والعمران ونشر الحضارة والتعليم .. وكلها خير وبركة كان يقف في طريقها استمرار الخلافة في حكم المسلمين .

وهنا مغالطة مركبة ..

فليس صحيحا أولا أن الأمر كان على هذا النحو: إما الرضى بالمظالم وإما تقطيع أوصال العالم الإِسلامي على هذا النحو المدمر للإِسلام والمسلمين .

وليس صحيحا ثانيا أن الطريق الوحيد للإِصلاح كان دخول النفوذ الصليبي في بلاد المسلمين .

ونعود إلى الحركة الوهابية والحركة المهدية اللتين حرص الاستعمار الصليبي حرصا شديدًا على كبتهما وقتلهما قبل أن يمتد نفوذهما إلى العالم الإِسلامي ، وشغّل في ذلك محمد علي وأبناءه ، بطريق مباشر أو غير مباشر .

لقد كانت كلتاهما حركة إصلاح شاملة ؛ كانت أولاهما تبتغي إصلاح العالم الإِسلامي كله من الظلم والخرافة ، وتحرير المسلمين من النير التركي بكل ما يحمل في طياته من جمود وتحجر ، وكانت الثانية تهدف إلى تخليص شمال الوادي من الاحتلال الإنجليزي ، ثم تخليص العالم الإِسلامي من النير التركي . كانت كلتاهما تحاول أن يعيش المسلمون في جو إسلامي نظيف ويستعيدوا كيانهم التاريخي المجيد ، مع المحافظة على أوصال العالم الإِسلامي من التقطيع ، والمحافظة على كيانه من النفوذ الغربي الصليبي أن يعيث فسادًا فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت