ووضع دنلوب سياسته المرسومة .. التي آتت في النهاية ثمارها المرجوة منها ، على مهل وبطء ، كما هو شأن السياسة البريطانية في كل مكان .
كان الأزهر هو مصدر العلم في مصر ؛ كان الجامع والجامعة ، يؤمه المتعلمون من شتى الأنحاء - لا في مصر وحدها ، بل في العالم الإِسلامي كله - لينالوا بركة الوجود إلى"جواره". وليتلقوا فيه العلم والعرفان:"مجاورين".
ولم يكن الأزهر في ذلك الحين كائنا حيًا صالحًا لتعليم الإِسلام . فقد كان ككل شيء في أواخر العهد التركي مجموعة من الجمود والتحجر لا تصلح للحياة ..
ولكن محاولات قوية كانت قد بدأت تبذل لإِصلاح الأزهر وإحيائه ومعاونته على"التنوّر"من إظلامه الشديد .
وبصرف النظر عن النتائج التي يمكن أن ترجى من حركة الإصلاح هذه - بزعامة محمد عبده وأتباعه - فقد كان همّ الاستعمار الصليبي هو القضاء على الأزهر ، لأنه - في نظر المسلمين على الأقل ، إن لم يكن كذلك في الواقع - معقل العقيدة الإِسلامية ، والمتّجه الذي تتجه إليه أنظار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وهو - من ثم - مصدر من مصادر"الوحدة"الإِسلامية ، الفكرية والروحية والواقعية ،"ينبغي"أن يزول .
وكان هدم الأزهر بطريقة مباشرة أمرًا لا يفكر فيه الاستعمار البريطاني بطريقته الملتوية البطيئة الماكرة ، فقد رأى كيف كانت حماقة الفرنسيين من قبل أيام الحملة الفرنسية ، حين استباحوا الأزهر لخيولهم ، سببًا مباشرًا من أسباب ثورة الشعب ، ورأوا كذلك كيف كانت حملات التبشير التي تهاجم العقيدة الإِسلامية مهاجمة مباشرة تؤدي إلى عكس المطلوب منها ، إذ تنبه المسلمين للخطر ، وتزيدهم استمساكا بالإسلام !
كلا ! لا يرتكب الاستعمار الإِنجليزي هذه الحماقة ..
إنما يعمد إلى كيد بطيء الفعل ولكنه مضمون المفعول (1)
(1) من أمثلة الإنجليز: Slow but sure أي بطيء ولكنه أكيد !