الصفحة 99 من 154

فتح دنلوب مدارس"حكومية"ابتدائية تدرس العلوم"المدنية"وتعلم اللغة الإنجليزية - لغة الاستعمار - وتخرج موظفين كتبة في الدواوين التي يحتلها ويديرها الإِنجليز .. يقبضون رواتب تعد بالجنيهات لا بالقروش !

ولم يكن الأمر في حاجة إلى مزيد من الإِغراء . فمن ذا الذي يبعث بابنه بعد اليوم إلى الأزهر - إلا الفقراء العاجزون عن دفع المصروفات - وهو يرى له المستقبل المضمون في وظيفة الحكومة ، حيث"يرطن"بلغة السادة المستعمرين ؟

وانصرف الناس - القادرون - من ذوات أنفسهم عن الأزهر ، واتجهوا إلى مدارس الحكومة بعد الثورة الأولى التي ثارها الحس الباطني المسلم على هذه المدارس"الكافرة"التي لا تعلم القرآن ولا تعلم الدين .. وأصبح هؤلاء المتعلمون"طبقة"جديدة ، تستمد طبقيتها من أنها من أبناء الأسر أولا ، ومن مركزها الاجتماعي في وظيفة الحكومة ثانيا .. ومن التشجيع الظاهر والخفي الذي تلقاه من سلطات الاستعمار بعد هذا وذاك .

ولم يكن أولئك المتخرجون في تلك المدارس"متعلمين"في الحقيقة . إنما كانوا كما قلنا مجموعة من"الكتبة"لا يصلحون لغير هذه الوظيفة . لا يصلحون إلا لتلقي الأوامر من المدير الإنجليزي ، وتنفيذها في عبودية كاملة ورعب وتقديس !

وما كان الإنجليز في ذلك الحين يجهلون أصول"التربية"الصحيحة ولا وسائل التعليم الحقة . ولا كانت مدارسهم في إنجلترا تدار بأساليب العبودية التي كانوا يديرون بها مدارس الحكومة في مصر . ولكن السياسة التي رسمها دنلوب لم تكن تهدف إلى تخريج متعلمين ، وإنما تهدف إلى تخريج عدد من العبيد يؤمرون فيطيعون ، ويشار إليهم فينفذون .. بجانب الهدف الآخر الخفي الذي يتحقق في ذات الوقت ، في بطء أكيد العاقبة ، وهو تحويل الناس عن الأزهر ليذوي ويتضاءل ، ويموت في نهاية المطاف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت