ومن هذا المنطلق أقول الحمد لله أن المنهج الذي انتهجناه كتابةً ومحاضرة أننا نتلطف في الأسلوب ونتلطف بالناس ونأخذ بأيديهم إلى الهدى، ولكن الحقائق الجوهرية ليست ملكي ولا أستطيع أن أجزأها وأخفي منها شيئًا، فعندما نأتي لموضوع المحاضرة وهو (جولات في ماضي وحاضر مستقبل العمل الإسلامي) ؛ فإذا قلت أننا نحن بألف خير ونحن في حالة جيدة فنكون وكأننا نطعن في رب العالمين، فإن كنا جيدين وعملنا صحيح وبألف خير فلماذا هزمنا؟
فنحن ننهزم لأن هناك شيء خاطئ، وهناك منهج خاطئ سرنا عليه في الخمسين سنة الماضية بصور مختلفة أوصلتنا إلى هذا الفشل، والله -سبحانه وتعالى- أمرنا أن نعتبر من سير الكافرين ومن سير المؤمنين ومن سيرنا نحن أنفسنا، فلماذا لا نتأمل في تجاربنا ونَزِنَها بالدليل الشرعي وبالمنطق حتى نصل إلى نتيجة، فنستفيد من تجاربنا ومن تجارب إخواننا؛ فما وجدنا فيها من صواب نُقِرُّه ونستفيد منه، وما وجدنا فيها من خطأ فنقول هذا خطأ؛ وكل يأخذ من كلامه ويرد.
فمنطق أن لا يعيب أحد على أحد ولا يتكلم أحد في أحد؛ هذا المنطق يجب أن يحترم إلا في قضايا البدع. الشعارات التي تسير عليها كل الحركات الإسلامية ابتداءً من حسن البنا -رحمه الله- شعارات خاطئة؛ حسن البنا أخطأ وأصاب وكان مما أخطأ فيه قوله:"نعمل في اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، وهذا الكلام يمكن أن تفهمه بطريقة صحيحة بأن تقول مثلًا: نحن في هذه الساحة نتعاون فيما اتفقنا عليه في الجهاد مع الأفغان، ويعذر بعضنا بعضًا في ما اختلفنا فيه من القضايا والآراء التي هي لكل واحد منا.
ولكن إطلاق قاعدة عامة هكذا بدون أن تُضبط يفتح الباب بأن يقول أحدهم: نعذر بعضنا بعضًا حتى في البدعة وحتى في الانحراف، فلا أحد يجادل أحد ولا أحد يتكلم في أحد، فإذا قلنا مثلًا أن الحركة الإسلامية الفلانية دخلت في الديمقراطية وأصبح عندها وزراء وبرلمانيون فيقال لك: يا أخي نتعاون فيما اتفقنا فيه بأن نقيم دولة الإسلام، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه!.