الصفحة 35 من 50

وَهَذَا المِسْكِينُ وَكَأَنَّهُ مَا سَمِعَ حَديثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَسَلَّمَ الذِّي رَوَاهُ أبُوْ هُرِيْرَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةً فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِذَا زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَسُودَ قَلْبَهُ"، قَالَ-أُظُنُّهُ أَبُوْ هُرِيْرَة-"فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى"كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي] ، فَإِنْ كَانَ ذَنْبٌ يَفْعَلُ هَذَهِ الْأَفَاعِيل؛ فَمَا القَوْلُ بِمَا يُنْتَقَشُ القُلُوبِ، ويَعْلَقُ فِي الصُّدْورِ، مِنْ ذُنُوبِ الشُّبُهَاتِ التِّي يَرْمِي بِهَا هَذَا المُتعَالِمُ! وَمَا الحَالُ إِذَا أبَاحَ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، فَقَلْبُهُ حِيْنَئذٍ سَيَبْدُو أَسْوَدَ مِنْ رِيْشِ غُرَابِ البَيْنِ."

هَذَا غَيْرَ الذِّلَّةِ وَالهَوانِ، وَالصَّغَارِ مَعَ بُغْضِ الْأَقْرَانِ، الذِّيْنَ آذَاهُمْ رَائِحَةُ نَتْنِ التَّعَالِمُ التِّي فَاحَتْ وَاستَفْحَلتْ، فَيَغْدُو هَذَا المُتَعَالِمَ مَنْبُوذًا، ذَلِيلًا صَاغِرًا، لَيْسَ لَهُ فِيْ أهْلِ العِلمِ مِنْ سَمِير، ومَا لَهُ مِنْ العِلمِ قِطْمِيْر، يَغْدُو فِي المَسْائِل العِظَامِ ويَرُوحُ، وقَدْ أَحْجَمَ عِظَامُ أَهْلِ العِلمِ خَوْفًا وَخَشْيَةً مِنْ بَارِئ الرُّوح.

وَهُوَ بِذَلِكَ يُرِي كُلَّ النَّاس، مِنْ نَاصِحٍ وعَالمٍ مَعْ حَاقدٍ ومُرْجِفٍ وَسْوَاس وَشَيْطَانَ إِنْسٍ خَنَّاسَ، ضَعْفَ عَقْلِهِ، وقِلَّةَ عِلْمِهِ، ورَقَّةَ دِيْنِهِ، حَيْثُ خَاضَ فِي غَيْرِ مَخَاضِ، وَأَفَتَى بِلَا اِمْتِعَاض، وَخَالفَ مَا هُوَ ثَابِت، وَجَافَى كُلَّ عَالِمٍ ثَابِت، تَجِدْهُ يُبِدي فِي كُلِّ عِلْمٍ بِرَأيٍ يُوْهُمُكَ أنَّهُ مِنْ أهْلِ الْاخْتِصاصِ وهُوَ أَجْهلُ مِنْ تُومَا الحَكِيمِ، وَمَا هُوَ إِلَّا حُبِّ الظُّهْورِ والشُّهْرَة، وَمَا صَدَقَ عَبْدُ أَحبَّ الشُّهْرَة، وسَيَهْتِكُ اللهُ تَعَالَى سِتْرَه.

وَهَذَا المِسْكِيْنُ بَعْدَ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ صَارَ وَتَصَوَّرَ، يَبْدَأُ الكِبْرُ وَالعُجْبُ يَغْزُو قَلْبَهُ، وَيَفْشِي فِيهِ فَشَاءُ عَدْوَى الهَوَاءِ، ومَا دَاءٌ أَعْظَمُ عَلَى العَبْدِ مِنْ الكِبْرِ فَإنَّهُ"لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"، وَقَدْ نَازَعَ الرَّبَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت