قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً" [رَوَاهُ البُخَارِيُّ/5678] ، قَالَ اِبنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّة فِي الدَّاءِ والدَّوَاءِ"وَهَذَا يَعُمُّ أَدَوَاءَ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالْبَدَنِ وَأَدْوِيَتِهَا، وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْجَهْلَ دَاءً، وَجَعَلَ دَوَاءَهُ سُؤَالَ الْعُلَمَاءِ."
فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَاسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ -أَوْ يَعْصِبَ- عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ.
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْجَهْلَ دَاءٌ، وَأَنَّ شِفَاءَهُ السُّؤَالُ" [الداء والدواء/8] ."
وَشِفَاءُ التَّعَالُمِ يَكمُنُ فِي أُمُورٍ مِنْهَا:
أَوَّلًا: الْإخْلَاصُ للهِ تَعَالَى فِي طَلَبِ العِلْمِ وَفِي جَمِيعِ الْأَمْرِ، قَالَ تَعَالَى"وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَ وَذَلِكَ دِيْنُ القَيِّمَة"، وَقَالَ"قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"، وَمَا أَفْلَحَ مَنْ عَمِلَ بِلَا إِخْلَاصٍ، وَقُلْ لِمَنْ لَمْ يُخْلِصْ لَا تَتْعَب! وَلَمْ يَعْرِف السَّلَفُ مِثْلَ مُعَالَجَةِ تَخْلِيْصِ القُلُوبِ مِنْ تَعَلُّقَاتِهَا، فَهُوَ أَمْرٌ عَسِر؛ إِلَّا عَلَى مَنْ سَهَّلَهُ اللهُ عَلَيْهِ.
ثَانِيًا: اِتِّبَاعُ الرَّسُولَ حَذَوَ القَذَّةِ بِالقَذَّةِ، وَالْاِسْتِنَانُ بِسُنَّتِهِ، فَخَيْرُ الهَدِي هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا خَسِرَ مَنْ اِتَّبَعَ، وَخَابَ وَخَسِرَ مَنْ اِبْتَدَعَ، قَالَ تَعَالَى"وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ"