اعلمْ رَحمَكَ اللهُ تعالى أنَّه مَا منْ مُصيبةٍ وَلَا حتّى مَزيَّةٍ؛ إلّا ولها مَظاهرٌ وظَواهِر، والتَّعالمُ مِن جُملةِ المَصائبِ التّي بُليت بِها الْأمّة، فَركِبَهُ كلُّ ذِي دَعوى، وتَجنّبه كُلّ ذِي تَقوى، وَإنِّي أسوقُ مِن ظَواهِر التَّعالمِ مَا وَجدتُّهُ فِي مَواضِيعِ وَردودِ بَعضِ المُتعالمِينَ فِي الشَّبكةِ العَنكبوتيّةِ عُمومًا، والمُنتدياتِ الجِهاديِّةِ خُصوصًا، مِمَّا وَضَّحَهُ العُلماءُ لِطلبةِ العِلمِ، وبَيّنوهُ لِرامِ النُّبوغِ وَالفَهمِ، وَأسألُهُ سُبحَانَهُ أنْ يُوفِّقَ وَيُعيْنَ.
أوّلًَا: التَّعالمُ فِيْ الفُتْيَا؛ حَيثُ أنّهُ ظَاهِرٌ لكلِّ ذِيْ لُبِّ وجَنان، ولَا يَخفى إِلّا عَلى مَنْ كَانَ لَهُ مِنْهُ نَصيبٌ أَوْ وَسنان، فإنَّ [الفَتوى جَمرةٌ تَضطرمُ] ، يَظهرُ للنّاسِ وَهَجُهَا وهِيْ إِلى رَمادٍ، [فَاسمَع مَا شِئتَ مِن فَتَاوى مُضّجعةٍ، محلولةِ العِقال؛ مبنيّةٍ على التَّجرِّي لَا التَّحرِّي، تُعنِتُ الخَلْقَ وَتُشجِيْ الحَلقَ، لَا تَقومُ على قَدمَيّ الحَقِّ، بَل ولَا عَلى قَدمَيّ بَاطِلٍ وحَقٍّ] ، خَالِيةٌ عَلى عُروشِها مِن النَّفَسِ العِلمِيْ، والتَّأصِيْلِ الشَّرعِيْ، تَراهَا أقرَبُ إِلى مَهَزولِ الْإنشَاءِ الْأدَبيِّ مِنهَا إِلى الحُكمِ الشَّرعِيِّ، أَو تَراهَا ضَربًَا مِنْ الخَيالِ، يَسبحَ فِيهِ هَذَا المُتَعالمُ وَهُيَ فِي الحُدوثِ مُحال، أَو تَراهَا ذَاتُ عُجمَةٍ فِيْ كَلماتِهَا، مُترامِيةُ الْأطرافِ في ألفَاظِهَا، حَتَّى تَكاد تَجزِمُ بِأعجَميِّةِ المُتَكلِّمِ، لَولَا أنَّهُ عَربِيٌّ وِراثَةً هَذَا المُتَجَرِّمِ، أَو تَرَاهَا مُسَارعَةٌ وَالزَّمانِ فِي إِطلَاقِ الْأحكَام، وَيُفتِي فِي مَسائلَ لَو عُرِضت عَلى فَاروقِ الْأمّةِ لَجَمعَ لَهَا أَهلَ بَدِر، أَو تَرَاهَا خَبالًَا فِي خَبالٍ، لَا تَمّسُ لِلعِلمِ بِصِلةٍ، بَل إنَّ العِلمَ بَريءٌ مِنهَا بَراءةُ الذِئبِ مِنْ دَمِ يُوسُفَ -عَلِيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فَتَراهُ يُخالفُ أَحكَامَ القُرآنِ، وَيُنَاقِضُ سُنَّةَ رَسولِ رَبِّ الْأنَامِ -صَلّى اللهُ عَلِيهِ وسَلّمَ-، وَيُضادُّ صَريحَ إِجمَاعِ أَهلِ الْإيمَانِ،
(1) عُمدَةُ هَذَا الفصلِ هُوَ كِتَابِ التَّعالمِ لِلشَّيخِ بَكر أَبُو زَيْد -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، وَسَتِجِدُ خِلَالَ النَّصِّ هَذِهِ الْإِشَارة [] وَهِيَ تَدُّلُ عَلى أَنَّهَا مُقتَبَسةُ مِن كِتَابِ التَّعَالمِ.