الصفحة 37 من 50

ثَالِثًا: نَتِيجَةُ التَّعَالُمِ عَلى عَامَّةِ النَّاسِ:

يَقُولُ الشِّيخُ بَكْر أَبُو زَيْدٍ فِي حَلْيَتِهِ"العَامِّيُّ مُشْتَقٌ مِنْ العَمَى، فَهُوَ بِيَدِ مَنْ يَقُوْدُهُ غَالِبًا"، وَقَدْ صَدَقَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- حَيْثُ أنَّ عَوَامَّ النَّاسِ كَنَاقَةٍ بِخِطَامٍ مَنْ يَسْبِقُ إِلِيهِ قَادَ النَّاقَةَ حَيْثُ شَاءَ.

وَلِذَلِكَ جَعَلَ العُلَمَاءَ شُرُوطًا فِيمَنْ يَسْتَفْتِيْهِ العَامِّيّ، مِنْهَا الوَرَعُ والتَّقْوَى وَالعِلْمُ ... وَغَيْرِهَا، لَكِنَّنَا فِيْ زَمَنٍ أَصْبَحَ يُفْتِي فِيْهِ أَبُو جَهْلٍ وَمَنْ حِمَارُ تُومَا أعَلَمَ مِنْهُ، وَلَسْتُ بِصَدَدِ ذِكْرِ أَسْبَابِ ذَلِكَ فاللهُ المُسْتَعانُ.

ويُخَافُ عَلَى العَوَامِ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا سَألَهُ حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ حَالِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ"قُلْتُ -أَيْ حُذّيْفَة-: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا"، لِأنَّ المُكَلَّفَ مُطَالَبٌ بَالتَّحَرِيّ والتَّدْقِيقِ وَاتِّباعِ الحَقِّ مَهْمَا كَانَ أَثَرُهُ عَلِيْهِ.

وَالمُتَعَالِميْنَ مِنْ أخَطْرِ الظُّواهِر عَلى العَوامِّ؛ لَأنَّهُم يُلبِّسونَ عَلِيهِم بِلبسِهِم، ويُهِمُونَهُم أَنَّهُم عُلَمَاءُ ومَا هُمْ مِنْهُم، فيَأخُذُ هَذَا العَامِّيّ عَنْهُ كَلَامًا يَظُنُّه دِينًا يُدَانُ بِهِ؛ ولَا يَدِريْ أنَّ هَذَا المُتَعَالِمَ لَا يَكَادُ يَفْقَهُ مَقَالَ قَوْلِه، وَلَا دِلَالَ فِعْلِهِ، هُوَ أعْلَمُ بِمَا فِي ظَهْرِ الغَيْبِ مِنْهُ بمَا أَفَتَى بِهِ.

وَالمُصِيبَةُ أنَّ بَعْضَ العَوامِّ يَتْبَعُونَ أُولَئكَ المُتَعالِمِينَ، لَا يَخْرُجونَ عنْ رَأيهِم، وَلَا يَجَادِلُونَ فِي حَقِّهِم، فَصَارَ لَهُمْ سُوقٌ وبِضَاعةُ مُبَاعَةٌ بِالْاستِخفَافِ بِدِينِ اللهِ، والتَّعدِي عَلى حُرُمَاتِ اللهِ، ومَنْ رُكُوبِ الصَّعْبِ المَهِيبِ أنْ يُفتِي مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْأبْضَاعِ وَالدَّمَاءِ، والحَلَالِ والحَرامِ.

كَفَى اللهُ شَرَّهُم، ودَفَعَ عَنَّا كَيْدَهُم، ورَفَعَ عَنَّا أَثَرَهُم، وَخَفَّفَ عَنَّا وَطْأَتَهُم.

واللهُ وَلِي التَّوفِيقِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت