تَبَارَكَ وتَعَالَى فِي أخَصِّ صِفَاتِهِ وَأجَلِّهَا، فَإنَّ رِدَاءَهُ سُبحَانَهُ الكِبْرِيَاء مَنْ نَازَعَهُ فِيهِ عُذِّبَ وَحُقَّ لَهُ.
لَقَدْ أَشغَلَتْ ظَاهِرَةُ التَّعَالُمِ العُلَمَاءَ فِي القَدِيمِ والحَدِيثِ، وَقَدْ شَكَى حَالَهُم كَثِيْرٌ مِنْ العُلَمَاءِ؛ وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا سَابِقًا نُتَفًا مِنَهَا، تَشْفِي العَلِيلَ، وتَرِوِي الغَلِيلَ، ويَظْهَرُ أَثَرُ التَّعَالُمِ جَلِيًّا عَلَى أهْلِ العِلْمِ؛ فِيْ إِشَغَالِهِم بِخَلَافِ الْأَولَى أنْ يَنْشَغِلُوا بِهِ، فَيُشَوِّشُونَ عَلَى أهْلِ العِلْمِ، وَيَزْدَرُونَ بَنُصْحِ أَهْلِ الفَهْمِ، فَيَشْغَلُونَ العُلَمَاءَ بِالتِّي وَاللُّتَيّة، وَيَصْرِفُونَهُم إِلَى الرَّدِّ عَلِيهِم، وَتَبِيينِ تَعَالُمِهِمِ، فِي أنَّ الْأُمَّةَ أحوَجُ مَا تَكُونَ إِلَى عُلَمَائِهَا، وَهَؤلَاءِ المُتَعالِمِينَ لَهُم سُوقٌ قَدْ رَاجَتْ بِضَاعَتُهمْ فِيهِ، فَازَدَادَ حِمْلُ العُلَمَاءِ فِي إظَهَارِ زَغَلِ المُتَعَالِمِينَ، وَنفِي الرِّيبِ عَنْ الدِّين، وكَشْفِ اِنْتِحَالِ المُبْطِلِينَ، وَبَيَانِ زَيْفِ البَطَّالِين، وَهَذِهِ مَهَمَّةِ العُلَمَاءِ الرَّبَانِيينَ، الذِّينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِحَمْلِ دِيْنِهِ، وَتَبْلِيْغِهِ لِسَائِر النَّاسِ.
وَكَفَى بِهَا مِنْ عَظِيْمَةٍ أنْ يَأتِي مُتَعَالِمٌ جَاهِلٌ مُتَجاهِلٌ، مَارِقٌ مُتَمَارِقٌ، كَثِيْرَ الشَّطَطِ، عَدِيدَ الحِطَطِ، سَرِيعَ الخَلْطِ والوَخَطِ، أَنْ يَبَارِزَ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ لَأبَرَّهُ، وَينَاجِزَ مَنْ هُوَ مِنْ وَرَثَةِ الْأَنِبيَاءِ، وَسَلِيلِ الْأَوْلِيَاءِ، ورَبِيْبِ الْأَتْقِيَاءِ، بَلْ وَقَدْ يَنْتَفِخُ صَوْلَةَ الْأَسْدِ الفَأرُ بِالخَوْضِ جَرْحًا وَتَجْرِيحًا فِي كِبَارِ العُلَمَاءِ، وسَامِقِ الفُضَلَاءِ، ورَاسِخِي الوُرَّاثِ، وَمَا يَرْدَعُهُ وَرَعٌ ولَا تَقْوَى، ولَا يَزْجُرُهُ وَازِعُ وَلَا عَقْلا.
وَرَغْمَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كُلًا بِأَجْرِهِ، وَمَا أحَدٌ إِلَّا سَيُجْزَى بِمَا فَعَلَ، ومَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلعِبَادِ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهم يَظْلِمُون.