الصفحة 37 من 99

الذي سيخطب فيه الشيطان خطبته ليس فيه أيّ قدر من هذه المعاني، بل هو على الضدّ منها من كلّ وجه.

فإذا كان شأن الخطيب أن يخطب على مستمعيه من علٌ، فوق درجة أو درجات، فإنّ الشيطان هاهنا يخطب من سفل تحت دركات؛ وإذا كان الخطيب فوق منبره يقرّر ويعظ ويعلّم، فإبليس هنا يتنصّل ويبكت ويَخزَى ويُخزِي؛ وإذا كان الخطيب يرفع رأسه ليراه الناس وليكسيَ ألفاظه معنى الهيبة والقوة، فإنّ إبليس هنا ينكمش ويتصاغر لأن جموع الطالبين بالحقوق منه هادرة غاضبة صادخة وتطلب التفسير والجواب.

فإبليس في خطبته هذه قابع في الدرك الأسفل، بل في أسفل دركة، خائب حسير، تلفحه النار والعذاب من كل مكان، وملائكة العذاب تضربه من كلّ جانب، وصراخُ وعويلُ أتباعه تزيده آلامًا فوق ما هو عليه، ورؤيته للفقراء والمساكين الذين كان يستهزئ بهم ويتعالى عليهم وهم ملوك في الجنان تأكل قلبه وتشعل ندمه، هكذا يجب أن نقرأ هذه الخطبة، وإلا وقعنا في الكثير من الأخطاء في فهمنا لما يقوله الله تعالى.

وهذا الذي أقوله مع علمي بما رُويَ عن الحسن البصريّ رحمه الله تعالى أنّه قال: (يقف إبليس خطيبًا في جهنّم على منبرٍ من نار يسمعه الخلائق جميعًا، فيقول: إنّ الله وعدكم وعد الحقّ. ولا أدري إلا أن الذي يُطالب من قبل أتباعه أن يُصرخهم - ينقذهم - وينفذ وعوده فينكص ويعترف بكذب وعوده، ويقرّ بعجزه عن عدم نصرتهم، إلا أنّه في الحالة التي وصفت) .

وعلى كلّ حال؛ فلو صحّ ما قاله إمامنا الحسن رحمه الله فليس فيه إلا أنّه على منبر من نار، ومن يقوم على هذا المنبر باختياره؟ فوجه ما قاله الإمام - والله أعلم - أنّه أُقيم رغم أنفه على منبر محاكمة وعذاب ولم يقم باختياره، فلا يبعد أبدًا عن المعنى الذي قلناه، والله الموفّق.

وهذه الآية عن خطبة الشيطان قيلت في كتاب الله تعالى بعدما أخبرنا الله تعالى عن تبرّي الأسياد من الأتباع؛ {وبرزوا لله جميعًا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنّا كنّا لكم تَبَعًا فهل أنتم مغنون عنّا من عذاب الله من شيء. قالوا لو هدانا الله لهديناكم، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص * وقال الشيطان ... } .

والمناسبة بين الآيتين واضحة جليّة، فإنّ سياق الآيتين حديث عن قضيّة مهمة وهي قضية الخول والأتباع، وأنّه لا حجة لهم عند الله تعالى بكونهم كانوا مستضعفين في قوّتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت