الصفحة 40 من 99

لقد أقسم لأبينا آدم {وقاسمهما إنّي لكما من الناصحين} وكذب في قسمه.

لقد أوعدهم الفقر إن أنفقوا فكان ما نصحهم به هو الفقر بعينه.

لقد وعد أولياءه في بدر، وقال: {لا غالب لكم اليوم من الناس وإنّي جار لكم} ، فما هي إلا لحظات حتّى صدق الله وعده للمؤمنين وأنزل ملائكته تؤيّدهم وتثبّتهم وتقاتل معهم فما كان من الشيطان إلا أن نكص على عقبيه وقال: {إنّي بريء منكم إنّي أرى ما لا ترون، إنّي أخاف الله والله شديد العقاب} .

{فأخلفتكم} .. كلمة لم تبقِ لهم في نفوسهم أملًا، وقطّعت كلّ أمانيهم، ولم يبقِ لهم من رجاء، وإذا كان للشيطان أن يصدق قليلًا فإنّ صدقه هنا لم يكن سوى تصوير لحقيقة الأمر التي لا دافع لها. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ثمّ بكلمات يسيرة خاطفة، ككلّ خطبة، قذف البراءة والتبرّي في وجوههم: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} ..

والسلطان ههنا اختلف العلماء في تفسيره؛ فأكثرهم على أنّه الحجّة والدليل، أي لم يكن لي من دليل ولا حجّة على ما دعوتكم له من الشرك والكفر والمعصية، بل بمجرّد أن رفعت لكم لواء الشهوات حتّى أقبلتم إليها دون تفكّر بالعواقب، ودون نظر صحيح، وقال بعض أهل العلم إنّما السلطان هو القوّة والقهر، أي لم أقهركم على الكفر والشرك إنّما أقبلتم إلى ذلك بمحض إرادتكم، ولا يبعد أنّ المراد بالسلطان هو هذا وهذا، بل كلمة السلطان أشمل من ذلك، فإنّ الشيطان يريد أن يبرّئ نفسه، وأن يحمّل الأتباع نتيجة ما أتوا وعملوا، ولكنّه استدرك وبيّن ما كان منه من عمل: {إلا أن دعوتكم} ، وهكذا أخفى كلّ ما يقوم به من تزيين للباطل ونصرة للشر والنفخ والهمز في قلوب الناس بكلمة واحدة: {دعوتكم} .

وأقول: أخفى لأنّ في كلمته هذه تزييف للحقيقة، فإنّها كلمة سريعة فلو كان أمام قضاء غير ما هو فيه لما استحقّ عليها عقابًا، لكنّها يوم القيامة تحمل حقيقة المعنى وذلك لتحقّق الجزاء، وهي كلمة تَبرّي؛ نعم، لكنها كلمة تبكيت وتحقير لأتباعه وعباده، وهي بلا شكّ ستملأ قلوبهم حسرة وندامة.

الشيطان دعاهم، وزيّن لهم، ووسوس لهم، ووعدهم، وأوحى لهم، ورماهم بسهامه، وقذف في طريق الحقّ ألف معوّق ومعوّق، وصاحب قلوبهم في السر والعلن، وكان ممّا قال لربّه يوم لعنه: {أرأيتك هذا الذي كرَّمتَ عليّ لئن أخّرتنِ إلى يوم القيامة لاحتنكنّ ذرّيته إلا قليلًا} ، فقال الله تعالى له: اذهب فمن تبعك منهم فإنّ جهنّم جزاؤكم جزاءً موفورًا *

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت