{ما أن بمصرخكم وما أنتم بمصرِخِيّ} وهكذا تدرّج في حديثه حتّى وصل إلى هذه الحقيقة، لن أستطيع إنقاذكم ولا نجدتكم، كما أنّكم لا تستطيعون إنقاذي ولا نجدتي، والعرب تقول للنجدة والمغيث والمعين: الصارخ، والصراخ هو الصياح، لأن طلب الغوث وكذا المغيث لا يخلو منه غالبًا.
قال أميّة بن أبي الصلت:
ولا تجزعوا إنّي لكم غير مصرخ وليس لكم عندي غناءٌ ولا نصر
أي؛ لست لكم بمغيث.
وهكذا لم يجدوا عنده إلا السراب الخادع، والأماني الكاذبة، والوعود الباطلة، وقوله سبحانه وتعالى على لسان الشيطان {ما أنا بمصرخكم} دليل على أنّ حديث أهل النار هو الصراخ - وهم يصطرخون فيها - ولا شكّ أنّ حالهم يدعوا لذلك، نعوذ بالله من عذابه وناره.
والمرء لا يقدّم إلا ما يقدر عليه، وههنا لا يقدر الشيطان على إنقاذ نفسه، فكيف يقدر على إنقاذ غيره؟! ثمّ متى استطاع الشيطان أن يقدّم لعباده وأتباعه شيئًا؟! ومتى صدق في وعد قطعه على نفسه لهم؟ ألا ما أشقى من يتّبع الشيطان ويثق به ويصدّق وعوده.
- {إنّي كفرت بما أشركتموني من قبل} ...
وها هو يردّ عبادتهم له في وجوههم، ويرميها خلقة بالية، فقد كفر بعبادتهم، وتبرّأ من إشراكهم إياه مع الله تعالى، فقد كفر بشركهم، وهو اعتراف منه أنّ تألّهه على أتباعه هو تألّه باطل، وأنّ عبادتهم إيّاه عبادة باطلة، وأنّ كل طاعة قدّموها له رجاءَ خيرٍ منه أو جزاء ذهبت سرابًا ولم تك شيئًا.
وهكذا تبيَّن للأتباع من عباده الذين نراهم يملؤون السهل والواد، ويأخذون عنه شريعتهم، ويدمّرون فطرتهم بالانقياد له، ويعرضون عن أمر ربّهم وشريعته، وسنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم وهديه، تبيّن لهم؛ أنّ وعوده كاذبة، وأنّ نهاية العلاقة بينهما هي التبريّ والقطيعة، وأنّه لن ينصرهم في أيّ مقام من مقاماتهم التي يحتاجون فيها إلى النصرة والتأييد.
والله قوله الحقّ، ووعده الحقّ، وما أخبرنا بهذا إلا رحمة بنا، وإخبارًا لما سيقع يقينًا من أجل الاتّعاظ قبل فوات الوقت، فيومها: إنّ الظالمين لهم عذاب أليم، فليعجّل الناس