الجليلة وما يقابلها من دعاة الإسلام، ومن خلال هذه المقارنة يعرف مقدار قرب الداعي من حقيقة الدعوة أو بعده عنها.
ثم اعلم أنه لا يأمن من الوقوع في الشرك، إلا من جهل التوحيد، ومن ظن أنه في أمان من هذا المهيع فهو جاهل بنفسه وجاهل بربه. فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الموحدين يدعو الله تعالى أن يجنبه ويجنب أبناءه عبادة الأصنام ومن الوقوع في الشرك، وهكذا هو أمر الصالحين والعلماء، فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: (والله إني لأجدد إسلامي، والله إلى الآن ما أسلمت إسلاما صحيحا) .
تأمل هذه الصورة وهذه الحقيقة ثم انظر إلى اطمننان البعض إلى حاله وحال أمته، وكيف يرى في توحيد الله تعالى أمرا ثابتا في القلوب فلا ضرورة للتذكير به. ولا أهمية للحديث حوله، بل هم يطعنون في من تكلم به أو ذكر نفسه والناس به!
ثم كانت براءة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ممن أعرض عن توحيد الله تعالى ولو كان ابنا أو قريبا ... وجعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام مدار القرب والمودة والمحبة هو توحيد الله تعالى فلا نسبة بينه وبين الخلق حتى لو كانت نسبة الدم والنسب إذا تم نقص التوحيد بل النسبة الوحيدة هي نسبة التوحيد والعلاقة على أساس الإيمان.
وإبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يقنط الناس من رحمة الله تعالى، ولا يقفل أبواب المغفرة بل يجعلها مفتوحة لمن أراد ولوجها {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} ...
وكذلك ربنا جل في علاه وهو الذي علم خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام هذا، فتأمل بارك الله فيك، ما ختم الله جل في علاه قصة أصحاب الأخدود، وما صنع أعداء الله بالمؤمنين من التحريق بالنيران، لكنه لم ييئس الخلق من رحمته بل قال: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق .. } ثم لم يتوبوا، إنه إبقاء لباب الرحمة والمغفرة فلا إقفال له ولا إبطال لعمله.
ومثل ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام حين قال { ... إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} .
ثم كان طلب الخليل عليه الصلاة والسلام أن يجعل هذا البلد مهوى الأفئدة ومحط الرزق بالثمرات، وذلك أن أم القرى لا زرع فيها، بل هي صحراء قاحلة، وسر ذلك، والله أعلم هو إظهار قدرة الله تعالى أنه جل في علاه قادر أن يجعل المحبة في القلوب لهذه الأرض لا لجمال زهرها ولا لثمر شجرها بل لسر العبودية فيها، ولوقوع بركة الفضل الإلهي فيها بأن