ويقول أصحاب (محمد السعيد) , أن شيخهم رحمه الله ومجموعة من كبار إخوانه , قرروا بحكم الإنتماء للجماعة , مراجعة أمين فيما يجري من انحرافات , ورغم نصيحة إخوانه وخوف الغدر عليه , أصر على محاولة الإصلاح رحمه الله وذهب , ودار حوار طويل عنيف , ارتحل بعده (السعيد) ومن معه لينتصب لهم مجموعة من العناصر التابعة (لأمين) كمينا ويقتلونهم غدرا , ثم ليتهموهم فيما بعد بالمؤامرة على الجماعة ومحاولة الإتصال بالدولة للعودة للمسار الديمقراطي. ثم شن ذلك المجرم حربا داخلية على كوادر تلك المجموعات المجاهدة , وصفى الكثير منها , وأعلن ذلك ولم يخفيه وأرسل البيانات بذلك إلى نشرة الأنصار في لندن , والذين نشروها له بإدارة أبي قتادة ومعاونيه (السلفيين إلى النخاع) كما يتصورون , فدعموا (الراية السلفية) التي يقودها أمين وروجوا لها , (وأعود لذكر اعتقادي أنهم روجوا لها بغباء وتعصب , ولم يصنعوها. لقد كانت صناعة محلية للمتطرفين في الجزائر الذين لعبت بهم أجهزة الإستخبارات) . ثم وكما سبق معنا , أدار (أمين) بوصلة الجهاد ليكون ضد الشعب الجزائري ومختلف شرائحه ولاسيما الإسلامية , بالإضافة للتصفيات الداخلية , إلى أن قتل مجاهدون من أصحاب السعيد (أمين) . فتولى الزوابري بإدارة نفس من أدار سلفه من الإستخبارات متابعة المأساة الرهيبة. وقد دعم الإخوة هذه الرواية بتسجيلات عديدة لأخوة عملوا مع (أمين) وكشفوا أسرارا كثيرة , وخلصوا إلى نتيجة محددة وهي أن أمين إما أنه كان قد جند من قبل الإستخبارات أصلا وزرع في الجماعة , وإما أنه جند فيما بعد , وإما على أقل تقدير أنه تم الاستفادة من جهله وجهل مجموعته وتطرفهم واستغلال ذلك وتوجيهه من خلال من زرعت الإستخبارات معهم من رجالها لتسيير الأمور كما سارت , ثم تولت الإستخبارات الجزائرية العمل باسمهم في المجازر. وهذه استنتاجات يدعمها اعترافات بعض العسكريين الفارين من الجيش الجزائري في تلك المرحلة كما سيأتي معنا في فصول المأساة المروعة المرعبة.
وأما عن شهادة من التقيت من مجاهدي الجماعة الميدانيين, فيما بعد في أفغانستان:
فروايات مهمة تزيد الأمر وضوحا وتؤدي نفس النتيجة. وقد احتفظت ببعض تلك الشهادات خطيا لأستفيد منها في شهادتي هذه ولكنها فقدت في الانهيار الكبير في أفغانستان إبان أخدود سبتمبر. و سأذكر هنا أهم ما أتذكره من أهم تلك الشهادات , والله المستعان:
حدثني أحمد في كابل:
كان (أحمد) وهو اسمه الحركي - كما أعتقد - شابا في أواسط العشرينات , وكان قد قدم أفغانستان في سنة (2000) بغرض التدريب. ولم يكن له كبير اهتمام بقضية أفغانستان , ومكث فترة مع مجموعة الإخوة الجزائريين الذين حاولوا جمع شتات أبناء بلدهم للإعداد لمحاولة جديدة للجهاد في الجزائر بعد تلك الفصول المأسوية. ولكنه لم يقتنع بتلك البرامج , وقال لي لما التقيت به وحاولت إقناعه بقناعتي بجمع الجهود في إنشاء دولة الإسلام في أفغانستان والمكوث فيها , أن لديه برنامجه الخاص , ولم أكلف نفسي استفساره عنه وهي عادة حركية حسنة تعلمتها مع الوقت. لقد كان لي عنده غرضا خاصا ومحددا بعد أن أُخبرت عن أنه مجاهد قديم قد عمل مع الجماعة المسلحة في منطقة قريبة من العاصمة في الفترة التي أبحث عن خباياها. فبحثت عنه واستضفته في بيتي لعدة أيام تحصلت فيها منه على روايات مهمة سجلتها في عدة صفحات ضاعت وللأسف , وأهم ما أذكر منها قصة قصيرة ذات مداليل كبيرة إذا انضمت إلى ما لدي من تحقيقات ومعلومات. قال أحمد:
(بعد الإنقلاب , كان في منطقتنا الكثير من الشباب الملتزم , وكنت حديث عهد بالتزام على يد أحدهم من الناشطين في الدعوة للالتزام في مسجد حينا. وسرعان ما بدأ يدب النشاط في تلك الأوساط بعد الإنقلاب العسكري للإعداد للمواجهة والدعوة للجهاد. وبعد مدة صارحني صديقي ذاك بأنه قد ارتبط بمجموعة مجاهدة ودعاني للعمل معهم , فقبلت وانخرطت معهم في العمل. وتطور العمل الذي كان سريا ويغلب عليه طابع عمل عصابات المدن. واستهداف عملاء الحكومة ودوريات الشرطة والجيش .. وتطورت وسائل العمل ومستويات التسليح وانتشرت الخلايا إلى الضواحي المجاورة لمدينتنا ..
ثم دعاني الأمير, وأعلمني أني لصغر سني وبعد الشبهات عني فقد تقرر أن أعمل مراسلا بين مجموعات المنطقة , وكعنصر استطلاع , وسلمني (موتوسيكل) , ورتبوا لي عملا يتيح لي التجول في المنطقة. فعملت فترة وكان العمل رائعا , وكان السكان يتعاونون معنا ويمدوننا بكثير من اللوازم والمعونات التي يحتاجها المجاهدون , حتى بعض العجائز اللواتي كان أولادهن قد صعدوا الجبال , كن يطبخن للمجاهدين , ويؤوين العناصر التي تنزل من الجبل للعمليات في البيوت بين الأزقة ...
وأنشأنا في الضواحي ورشة لصناعة القنابل وتصليح السلاح وصناعة بعض القاذفات الشعبية ..
ومضى العمل على هذا وتطور إلى معارك كانت الحكومة تستخدم فيها طائرات الهليوكوبتر, لأن المنطقة صارت عصية على مرور قوات الحكومة فيها .. )
وروى لي تفاصيل كثيرة رائعة عن سير العمليات وأساليب العمل .. وأجواء العلاقة الحميمة بين المجاهدين والناس في المنطقة .. وهي تفاصيل جميلة ولكنها ليست محل الشاهد هنا.
ثم تابع: (و ذات يوم حضر الأمير , وقال لنا أنه استدعي من قبل قيادة الجماعة العليا في الجبل , هو وبعض القيادات الميدانية في المنطقة , وأنه سيتغيب فترة سيتولى فيها القيادة أفراد أرسلوا من قبل القيادة العليا لإدارة العمل خلال غيبة قيادة المنطقة. وأن علي أن أرتب لهم المأوى والحاجيات باعتباري مسؤول المراسلة والخدمات في المنطقة) .
ثم قال أحمد , وانتبهوا لمؤشرات المأساة ..
(لما استلمت هؤلاء الضيوف الأغراب , أول ما لاحظته أن وجوههم ليست وجوه إخوة , ولم أحبهم.