الصفحة 43 من 49

وتبين لي أنهم ليسوا من مناطقنا , ولم أعرف من أين هم , وبدؤوا يصدرون إلى المجاهدين في المنطقة أوامر غريبة , ويهددون من لا ينفذ بالتصفية , وتحولت الأجواء الأخوية إلى أجواء مافيا ورعب و وبدأنا ننتظر عودة أمرائنا الذين ذهبوا لفترة أسبوع أو اثنين , ولكني لم أراهم بعدها وانقطعت أخبارهم , وتتالت الشهور , وبدأت المجموعات عمليات ضد بعض القرويين اتهموهم بمعاونة الحكومة , ودب الخلاف وتحول مسار العمل. وبدأت تسنح الفرصة للانسحاب , ولكني كنت أخاف منهم. ثم سنحت لي الفرصة وجهزت أوراقي وغادرت الجزائر , كانت رغبتي أن أصل أفغانستان. لأني سمعت عن أن التدريب فيها جيد , وكنت أريد العودة للجزائر , ولكن الأمور سارت كما تعلم. ولم يعد عندي رغبة لذلك , لم يعد عندي أمل في ذلك .. , عندي برامج أخرى , وسأسافر قريبا .. )

سألته أسئلة كثيرة لا أذكرها الآن. كان مجاهدا عاديا. لم يكن يعرف شيئا عن المسائل الكبيرة. والأسماء الشهيرة , سألته عن نشرة الأنصار , فقال أنهم لو يسمعوا بها في منطقتهم , ومثله مثل معظم الذين عملوا في الداخل , لم يسمعوا شيئا عن ملحقات القضية في الخارج .. ولكن المهم عندي أن أذكر , أني سألته عن التاريخ التقريبي لتبديل أمرائهم , فوافق عندي بدايات تولي أبي عبد الرحمن أمين .. , وأظن أن المسالة واضحة.

لقد استولت الإستخبارات على القيادة العليا , واستدعت القيادة الميدانية في تلك المنطقة لأيام , ولكنها لم تعد! , لقد صُفَّيت والله أعلم. وتولى رجال الإستخبارات قيادة المجموعات في المنطقة. وجروا الأحداث إلى ما سمعناه ورأيناه. وقتل معظم المجاهدين غدرا أو في مواجهات مصطنعة. ولم ينج إلا من هرب , وكان أحدهم أحمد. ليروي لي رواية , كان يقطعها ببعض الدعابات البريئة , ولم يكن يدر قيمة رواياته في سد ثغرة مهمة في تسلسل مجموعة المعلومات التي كونت في النهاية الصورة الواضحة لحقيقة ما جرى والله أعلم.

ثم سافر أحمد , وربما كان من حسن حظه للمرة الثانية , ألا يشهد في أفغانستان انهيار أمل كبير آخر من الآمال التي داعبت مخيلة المستضعفين في هذا الزمان , في أن تكون وقائعها بداية ميلاد الفرج الذي طال انتظاره.

حفظ الله أحمد وأمثال أحمد , كي لا تنطفئ شمعة الأمل عند من تبقى من جيل أيام الصبر هذه.

وأما عن المعلومات التي استخلصتها من متابعتي في - كابل - لما عرضته قناة الجزيرة من مقابلات ومعلومات عن أحداث و مجازر الجزائر:

فقد أجرت قناة الجزيرة الفضائية عددا من المقابلات مع بعض الباحثين والكتاب الجزائريين الذين اهتموا برصد ودراسة ظاهرة المجازر التي تمت في المدنيين من القرويين وسكان ضواحي المدن , خلال سنتي (1996 - 1997) , كما تناولت في برامج مختلفة القضية الجزائرية من جوانب متعددة , وهي مصادر هامة جدا في استكمال توضيح تفاصيل ما جرى في مجريات تلك القضية.

ومن أهم تلك البرامج , برنامج عرضته الجزيرة أواخر سنة 2000 فيما أذكر , وقد أعدت رؤيته عدة مرات , ونقلت عنه مقاطع وإحصائيات وخلاصة أبحاث مهمة جدا جدا ضمنتها أبحاثي التي ضاعت .. , ولكوني ركزت كثيرا على ذلك البرنامج فلا زلت أذكر خلاصته.

فقد كان البرنامج مع باحث جزائري تحدث عن كتاب كبير شارك في إعداده عدد من الباحثين الجزائريين المتخصصين في الأبحاث النفسية والاجتماعية والسياسية , لرصد جذور وحقائق ظاهرة المجازر الرهيبة التي جرت في الجزائر ونسبها الإعلام الجزائري في حينها لـ (الجماعة الإسلامية المسلحة) , بل نشر تبنيها لها في بيانات منسوبة إليها لبعض تلك المجازر. وتناقلت في حينها وسائل الإعلام العربية والعالمية وجهة نظر الإعلام الجزائري تلك بحذافيرها وفرضتها على الرأي العام.

وقد احتوى الكتاب الكبير معلومات تفصيلية عن تلك المجازر وتواريخها وضحاياها , ومواقع حصولها

ودراسات إحصائية دقيقة جدا , وهامة جدا وذات مداليل بالغة الدلالة , تناولت أنواع الضحايا وانتماءاتهم العامة , والتواتر الزماني والمكاني لتنقل مواقع تلك المجازر من ولاية إلى أخرى والهدف منه.

كما نقلت شهادات حية , مما نشره ضباط وعسكريون جزائريون , فروا من الجزائر وتحدثوا عن الأحداث والمجازر التي شهدوها بترتيب من قيادة الجيش والاستخبارات الجزائرية ضد المدنيين وكيف رتبت.

كما احتوي الكتاب الهام وحديث الباحث الجزائري ضيف البرنامج , معلومات مما نشره بعض الباحثين الجزائريين و الناشطين في حقوق الإنسان حول مسألة المجازر في الجزائر.

ولم يكن ذلك اللقاء مع رجل ينسب إلى الإسلاميين أو مؤيديهم , وإنما مع رجل أكاديمي باحث, لم يكن يخفي مناوأته للجماعات الجهادية والأصولية خلال اللقاء , وإنما تكلم بحيادية وبمنطق البحث والإحصائيات والمعلومات.

ومما أذكره من خلاصة المعلومات التي وردت في ذلك البرنامج بالغ الأهمية ما يلي:

اعتراف بعض الضباط الجزائريين بأنهم شهدوا إعداد استخبارات الجيش الجزائري لتنفيذ مجازر في بعض القرى , وأنهم كانوا يعدون بعض الجنود والأفراد الملتحين ويلبسونهم الزي الأفغاني , ويحقنونهم بمواد مخدرة مهيجة, و يأخذونهم لتنفيذ مجازر دموية بالأسلحة النارية والسيوف والسكاكين .. , وقد نشر بعض هؤلاء كتبا في فرنسا بعد لجوئهم إليها بدافع تعذيب الضمير , وبعضهم بدافع فضح الحقائق , وقد أحضر الباحث معه بعض تلك الكتب واستشهد بها .. , كما أدلى بعض هؤلاء العسكريين بشهاداتهم على الشاشة مباشرة! , ويفسر هذا بشاعة تفاصيل مجريات تلك المجازر من الدموية والإجرام الذي يأباه عتاة المجرمين والقتلة.

أثبت الباحث أن الإحصائيات تثبت أن المجازر قد تمت في المناطق التي كانت قد شهدت نسبا مرتفعة في التصويت لصالح جبهة الإنقاذ والإسلاميين في الإنتخابات البلدية والبرلمانية. فكانت هذه المجازر عقابا لهم , ولزرع الحقد في أهل تلك المناطق على مشروع الإسلام السياسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت