شرح الباحث نظريات نفسية تطبيقية عن مجازر أجريت في أوربا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية في ظلال الحكومات الشيوعية والسلطات العسكرية , وبين أن تلك المجازر التي جرت في الجزائر قد طبقت فيها نتائج تلك النظريات , من خلال نظام زمني ومكاني مدروس لإجراء تلك المجازر , حيث سخنت فيه أحداثها وبردت وتنقلت من مكان لآخر. بحيث تؤدي إلى عملية إنهيار نفسي جماعي , يربط إدارة السكان بالحكومة ويعلقهم بها ويرضخهم إليها , وهذه الفقرة فيها تفاصيل تحتاج كي تفهم جيدا إلى الرجوع إلى تسجيلات ذلك البرنامج لأنها معقدة وذات تفاصيل كثيرة ومثيرة.
كانت وتيرة المجازر ترتفع في المناسبات الدينية , وفي رمضان , وتستهدف دور العبادة , والجنائز أحيانا , كما تستهدف بعض رموز الإسلاميين المحبوبين شعبيا. للصق صفة الإجرام والدموية وعدم احترام (الجماعة المسلحة) لأي قيم دينية وخلقية.
قدم الباحث خرائط للأمكنة حدوث بعض المجازر , مبينا مواقع سكنات الجيش والدرك و قوات الحكومة القريبة جدا منها ومن حولها, مبينا أن استغاثات السكان , وأصوات إطلاق النار كانت كافية لتدخل قوات الحكومة التي لم تحضر مطلقا أثناء تلك المجازر. مبينا أن السبب في ذلك بكل بساطة , هو أن قيادة استخبارات الجيش هي من أشرف على تنفيذ تلك المجازر.
وقد ذكرني ذلك البرنامج الهام بمعلومة هامة كنت أحتفظ بها في قصاصة صحفية أخذتها من مجلة
(لو- فيغارو) الفرنسية أواخر 1994. وقد جاء فيها تصريح لطبيب جزائري لجأ إلى فرنسا , وقال أن سبب ذلك؛ أنه تلقى جثة فتاة قتلت في حادث سير عادي , وبعد التأكد من وفاتها بسبب الصدمة , كتب تقريره وأحالها إلى الثلاجة لتحفظ الجثة وتسلم لذويها. وفوجئ بعد يومين , بصورة الفتاة نفسها منشورة في الجريدة الرسمية وقد قطعت رقبتها , ونشر إلى جانبها رواية للشرطة بان المتطرفين الإسلاميين قد قتلوها وقطعوا رقبتها , بالإضافة لتفاصيل إجرامية أخرى .. ولما عاد لمراجعة وجودها في الثلاجة وجو الجثة قد اختفت! ففر الطبيب من الجزائر ليلجأ إلى فرنسا.!!
وأظن أن دلالة كل هذه الشواهد أضحت أكثر من واضحة. فلعنة الله على الظالمين.
وبعد ما سبق ...
خلاصة الصورة المتكاملة لما حدث في الجزائر منذ 1988وإلى الآن والله تعالى أعلم
أعتقد أن فيما سبق لمن يقرأه بعين البصيرة , وعقلية المحايد الباحث عن الحق والحقيقة , بعيدا عن التعصب , كفاية لفهم حقيقة ما جرى في تجربة مشروع الإسلام السياسي والجهاد ضد طواغيت الجزائر .. , وبالنسبة لي يمكن أن ألخص ذلك في النقاط الرئيسية التالية:
فاجأ الغرب الصليبي كما فاجأ حزب السلطة الطاغوتية الحاكمة نجاح مشروع الإسلاميين وفوز جبهة الإنقاذ. فقاموا بالإنقلاب العسكري على الخيار الصريح لجمهور الأمة في الجزائر.
أدي الإنقلاب إلى وقوف جمهور الشعب الجزائري والأمة المسلمة , بل والرأي العام العالمي مع المجاهدين الذين حملوا السلاح لمقاتلة السلطة الطاغوتية التي عدت على خيار الأمة المشروع شرعا , والفائز حتى بموجب قوانينهم الوضعية.
لم يكن من خيار أمام تلك السلطة المجرمة في الجزائر, ومن وراءها من القوى الاستعمارية وخبرائها , للقضاء على المجاهدين بعد هزائم الحكومة عسكريا, إلا سحب السند الأساسي لانتصار المجاهدين. وهو التأييد الشعبي الساحق. وذلك بإقامة هوة وتنافر بين المجاهدين وجمهورهم.
وهكذا تفتقت عقولهم المجرمة عن (سيناريو) يتضمن تحويل فصائل من المجاهدين من استهداف السلطة الطاغوتية وأجهزة قمعها, ليستهدفوا بالقتل شرائح من الشعب عامة , و يبذروا بذور الفتنة والخلاف والتقاتل الداخلي بين المجاهدين أنفسهم.
وتمكنت الإستخبارات الجزائرية , مستفيدة من وجود شريحة متطرفة جاهلة في أوساط الصحوة الإسلامية والمجاهدين في الجزائر. فغذتها وقوتها , وجندت بعضها , وزرعت معها من يدفعها ويوجهها لتنفيذ ذلك المخطط الذي روينا فيما سبق كثيرا من فصوله و شواهده من إعلان الفكر الغالي وتصفية كوادر المجاهدين داخليا.
بعد أن نجحت وسائل الإعلام الجزائرية , ومن خلفها بعض العربية والعالمية في إلصاق تهمة استهداف الشعب الجزائري , وتبني الفكر الغالي المنحرف بالجماعة الإسلامية المسلحة , منذ تولي (عبد الرحمن أمين) وزمرته قيادتها. سعت الإستخبارات وقيادات الجيش إلى التخطيط والتنفيذ والإشراف على سلسلة من المجازر والأعمال الإجرامية استهدفت المدنيين , وأوجدت حاجزا من البغض والكراهية بدأت تحل محل مشاعر الحب و الاحتضان والمعاونة في أوساط الشعب تجاه المجاهدين.
ولما آتت الفتن الداخلية بين المجاهدين أكلها , وأدت عزلة المجاهدين عن الشعب إلى ما تتوخاه السلطة , عزلت الدولة بعض الفصائل الجهادية المخلصة وركزت عليها حملاتها العسكرية لتصفيتها , تاركة المناطق التي يسيطر عليها المنحرفون المجرمون الذين اخترقتهم وتولت إدارتهم يتابعون إجرامهم ضد فصائل جهادية أخرى وضد المدنيين والقرويين. وهذا واضح في سير الأعمال العسكرية منذ أواسط 1996 وإلى أواسط 1997.
بعد أن أوصلت الدولة المجاهدين إلى حالة الإنهاك العسكري والنفسي بفعل تلك الأحداث , طرحت مشروع الاستسلام لها تحت عنوان (الوئام المدني) . وكان طبيعيا أن يتهافت عليه كثير من الفصائل فرارا من جحيم ما وصلت إليه أحوالهم الداخلية من الاقتتال. وسمعتهم التي تلطخت بالمجازر وأعمال الإجرام التي رتبت لها الإستخبارات واستخدمت فيها المنحرفين المجرمين. وبدأت الفصائل عملية الاستسلام الجماعي الذي كان أفضل الخيارات. بعد النجاح الباهر لبرنامج الإستخبارات الجزائرية ومن أعانها في هذا المخطط الجهنمي المجرم الذي راح ضحيته أكثر من 150 ألف مسلم في الجزائر.