الصفحة 19 من 30

لذلك لم يكن الإمام أحمد رحمه الله يكفر القائلين بخلق القرآن بأعيانهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"لا يختلف قوله - أي الإمام أحمد- أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، ولا يكفر من يفضل عليا على عثمان، بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم، وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة."

لكن ما كان يكفر أعيانهم، [1] فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية؛ أن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوا، ويكفرون من لم يجبهم. حتى أنهم إذا أمسكوا الأسير، لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وغير ذلك. ولا يولون متوليًا ولا يعطون رزقًا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد - رحمه الله تعالى- ترحّم عليهم واستغفر لهم لعلمه أنه لم يتبيّن لهم أنهم مكذّبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك". اهـ [مجموع الفتاوى 23/ 348] ."

فالمأمون كان متأولًا في هذه المسألة -التي هي من باب الأسماء والصفات-، قال أبو معشر المنجم عن المأمون:"يُعدُّ من كبارِ العلماء".اهـ [فوات الوفيات 2/ 237، وسير أعلام النبلاء 10/ 279] . وقال الإمام الذهبي رحمه الله عنه:"قرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل".اهـ [سير أعلام النبلاء 10/ 273] .

وأما المعتصم فقد كان مقلدًا لأخيه العالم في هذه المسألة -التي هي من باب الأسماء والصفات-، فقد قال له المأمون وهو على فراش الموت:"يا أخي، ادن مني، واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيكَ في القرآن".اهـ [تاريخ الطبري 8/ 647، وعيون التواريخ 8/لوحة 26، والكامل لابن الأثير 6/ 429، وسير أعلام النبلاء 10/ 289] .

(1) قال شيخنا أبو بصير الطرطوسي حفظه الله:"والحق أنه كان يكفّر بعض أعيانهم ويمسك عن تكفير البعض الآخر، بحسب ما يرجح له من توفر الشروط وانتفاء الموانع بحق أولئك الأعيان .. ولكن لما كان تكفير الأعيان ممن قالوا بخلق القرآن قليلًا وكان الغالب عدم التكفير، ظن الناس أن الإمام أحمد لم يكفر أحدا بعينه مطلقًا ممن يقولون بخلق القرآن".اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت