واعلم رحمك الله أن من أعظم أنواع الهجرة الواجبة في كل زمان هجرةُ كلّ وظيفةٍ وعملٍ فيه نصرةٌ وإعانةٌ لهؤلاء الطواغيت أو نوعُ تثبيتٍ وتطبيقٍ أو حمايةٍ وحفظٍ لقوانينهم ... كيف لا .. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما رواه الإمام أحمد وغيره:"المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"...
وقد قال تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) [سورة هود/113] .
قال بعض أهل العلم: (فانظر ما ذكره المفسّرون حتى أدخل بعضهم لياقة الدواة وبري القلم في الرّكون، وذلك لأن ذنب الشرك أعظم ذنب عُصي الله به على اختلاف رتبه، فكيف إذا انضاف إليه ما هو أفحش، من الاستهزاء بآيات الله وعزل أحكامه وأوامره وتسمية ما ضاده وخالفه بالعدالة والله يعلم أنّها الكفر والجهل والضّلالة، ومن له أدنى أنفة، وفي قلبه نصيب من الحياة يغار لله ولرسوله وكتابه ودينه، ويشتد إنكاره وبراءته في كل محفلٍ ومجلسٍ، وهذا من الجهاد الذي لا يحصل جهاد العدو إلاّ به، فاغتنم إظهار دين الله والمذاكرة به وذم ما خالفه والبراءة منه ومن أهله، وتأمّل الوسائل المفضية إلى هذه المفسدة الكبرى وتأمّل نصوص الشارع في قطع الوسائل والذرائع، وأكثر الناس ولو تبرّأ من هذا ومن أهله فهو جند لمن تولاّهم وأنس بهم وأقام بحماهم والله المستعان) أهـ. من الدرر السنية في الأجوبة النجدية.
وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال لكعب بن عجرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء" قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردوا عليّ حوضي ... " رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله.