الإجمالية بعد القسمة في بعض الأحيان: 20سم ×100سم وهي مساحة لا تكفي حتّى للجلوس فضلا عن النوم، وربّما اتفق الإخوة في بعض الأحيان على التناوب في النوم.
أظف إلى ذلك الإختناق والنقص الملاحظ في الأوكسجين والهواء النقي، فمثلا في سجن تمنراست (و هي ولاية في أقصى الجنوب الجزائري) لا أزال أذكر كيف حشرونا في إسطبل حديدي وكان عددنا حوالي 120 سجينا وذلك في الصيف الحّار، فكان جوا لا يطاق نظرا للروائح الكريهة والنقص الكبير في التهوية، وإضطررنا حينها لأن نتناوب على تلك النوافذ الصغيرة جدّا كي نستنشق بعض الهواء النقي.
ولا تسأل بعدها عن الأمراض الناتجة التي انتشرت بصورة كبيرة، والقمّل الذي أصبح ملازما لنا بأعداد غزيرة متزايدة لا داعي لذكرها حتّى لا يتقزز القارئ.
نفس الشيء يقال بالنسبة لسوء التغذية التي يلقاها السجين هناك، وأعترف أننّي طالما بحثت عن الجواب للسؤال المحيّر الذي كان يراودني في أزمان سابقة حين مشاهدتنا للصور المخيفة لضحايا المجاعة في الصومال أو بعض دول جنوب إفريقيا، وكنت حينها أتساءل كيف يمكن للجسم البشري أن يصل إلى هذه النحافة وهذه الصورة المخيفة؟
والسؤال بقي في مخيّلتي ولم أجد له جوابا إلاّ في سجن تمنراست خلال الأشهر الأولى هناك بعد المعاناة التي عيشناها هناك من تجويع وقهر حتّى أصبحت أجسام الإخوة شبيهة بتلك الصور التي طالما تساءلت عنها.
حتّى المأكولات التي كان يأتي بها أهالي المساجين في الزيارات النادرة والنادرة جدا كان الحرّاس يسرقونها وينهبون كل المحتويات التي تكون داخل القفاف.
فهذه نظرة عامّة على المعاناة الدّائمة والتعذيب المتكرّر والإنتهاكات الصارخة والتجويع والترويع وهي كلّها سمات بارزة للحياة اليومية للسجين والتي قد تطول لسنوات عديدة بكل قسوتها وأهوالها.
فيا ترى أين هي دولة القانون التي طالما تبجّحوا بها؟ وأين هو العدل؟ بل أين هي المعاملة الإنسانية التي من المفروض أن تعطى لأكبر المجرمين فكيف بأبناء الإسلام البرآء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلاّ أن يقولوا ربّنا الله؟!
لقد علّمتنا التجارب القاسية وغياهب السجون الظّالمة وطاولات التعذيب الوحشي، على أنّ القيد والسجن عند هؤلاء الطواغيت مذلّة ما بعدها مذلّة.