وهذه الجريمة الثالثة التي طالما تستّرت عليها السلطة في الجزائر وحاولت كتمانها رغم هول الأرقام إلاّ أنّها لم تفتأ أن افتضحت وانكشفت أمام الصراخ المتزايد والمطالبة الدائمة لأهالي المفقودين وهم يجوبون الشوارع ويرفعون اللاّفتات مندّدين ومطالبين بإلحاح أن يكشف عن المصير المجهول لأبنائهم وأزواجهم.
ولقد كانت المناظر مؤلمة ومؤثّرة لتلك العجوز التي تبكي وتصرخ مطالبة أولئك المجرمين بأن يردّوا لها ابنها الذي اختطفته المخابرات الجزائرية منذ أعوام ولم تعلم بعد مصيره: أهو تحت التراب أم فوقه؟!
وتلك المرأة التي تتهاطل دموعها لسنوات وأبناؤها حولها يتساءلون كل صباح عن مصير والدهم الذي أختطف ذات يوم أمام أعينهم ولم يرجع.
وحقّ لهؤلاء أن تزداد آلامهم يوما بعد يوم إذا بقيت علامات الإستفهام دون إجابة، وكان من الممكن أن تسكن تلك الآلام وتهدأ لو لقيت أجوبة صريحة عن مقتل المفقودين أو كونهم في السجون، لكن لأسباب يعرفها الطواغيت جيّدا ستبقى تلك التساؤلات دون إجابة.
وحتّى الرئيس الجديد الطّاغية"بوتفليقة"والذي أكثر من الضحك على شعبه لم يعط أيّ إجابة صريحة بعد مطالبته من طرف أهالي المفقودين، بل راح يراوغ ويتشدّق بالألفاظ كعادته، وهو الرئيس الذي جاء بالوئام والمصالحة والسلم، فكان ملف المفقودين لوحده كافيا لأن يكذّب تلك الشعارات الزائفة والخدع المنمقّة.
فأيّ وئام هذا الذي يتحدّث عنه مع هذه الأرقام الهائلة من عشرات الآلاف من أبناء الإسلام الذين بقيت مصائرهم مجهولة، هذا فضلا عن مئات الآلاف من الذين قتلوا في التعذيب والذين لا يزالون في السجون.
ولنرجع الآن إلى السؤال السابق، ولنتساءل عن السر الكبير الذي ظلّت السلطة المجرمة تصرّ على كتمانه وجعله من الملفّات المغلقة.
والحقيقة المرّة التي يرويها كثير من الإخوة الذين عايشوا التعذيب وتنقّلوا بين المراكز العديدة للإستخبارات، هي تلك الشهادات المتواترة والصادقة التي إذا علمت علم معها السر في ذلك التكتّم الكبير.