الصفحة 23 من 25

ومن هنا ترى المجاهد المخلص والصادق في جهاده يحس بالحرج والضيق حينما لا يجد ما ينفقه في سبيل الله، ويخاف من أن يقعده هذا النقص عن واجبات الجهاد فيكون من القاعدين.

ومن أنواع النفقة في مرحلة الجهاد أيضًا، هو إمكانية فقدان الأهل والولد في سبيل الله تعالى، وذلك حينما يكون المجاهد مخيرًا بينهم وبين ترك الجهاد والركون إلى الدنيا في مقابل الحفاظ عليهم، سواء بسبب رفض أهله مواصلة الجهاد معه، أو بسبب الضغوط والمساومات التي يتعرض لها من قبل الأعداء حيث يخيرونه بين ترك الجهاد وبين التضحية بأهله وولده، فلا يكون خياره حينئذ إلا مواصلة الجهاد والنفقة بأهله قربانًا إلى الله تعالى إما بالاستشهاد أو التهجير. وقد عاش الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضًا من هذه الصور عند هجرتهم من مكة إلى المدينة، حيث حرمهم المشركون من أهليهم وأولادهم، وعاشها الكثير من المجاهدين في العصور التالية، وها نحن نرى نماذج أخرى في هذا العصر حيث قدَّم المجاهدون أمثلة رائعة في النفقة والتضحية بأهليهم وذويهم في مقابل مواصلة درب الجهاد والصمود، فللَّه درُّهم.

النفقة في العسر هي المحك، فهنا تظهر حقيقة الإيمان والالتزام، لأنه ما أسهل أن ينفق المرء في حالات اليسر، وما أسهل أن يدّعي المرء الشجاعة والكرم والجود في حالات الرخاء والفراغ، ولكن القليل من يوفِّي ويصدق في دعواه حينما تشتد المحن ويقل الزاد وينادي منادي الجهاد.

أما خلال المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الدولة، فإن النفقة ينبغي أن تستمر على جميع المستويات، وتأخذ أشكالًا أكثر تنظيمًا، حيث يتكلف النظام الحاكم في الدولة المسلمة بتشكيل فرق مختصة في كل مجال من مجالات الدعوة، ولكن تبقى الرعية مسؤولة وتساهم بكل ما تملك في سبيل نشر هذا الدين والحفاظ على بيضته، ويكون الجميع مدعوًا إلى النفقة في اليسر والعسر أكثر مما كان الشأن في مرحلة الدعوة والجهاد، لأن الأساس ليس إقامة دولة التوحيد فحسب، إنما الأهم هو الحفاظ على استمراريتها والتصدي لكل مخططات الأعداء الذين يسعون إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت