هدم معالمها وإزالة كيانها، فمن باب أولى أن تستمر عملية النفقة بوتيرة أكبر وأسرع.
أنظروا كيف تعامل الأنصار مع بنود هذه البيعة عند أول امتحان لهم على أرض الواقع، وذلك عندما هاجر إليهم إخوانهم من مكة، فطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتآخوا في الله أخوين أخوين، فاستجابوا لهذا النداء النبوي وزيادة، حيث قسموا أموالهم وبيوتهم نصفين مع إخوانهم المهاجرين، بل منهم من طلب من أخيه المهاجر أن يختار إحدى زوجتيه ليطلقها فيتزوجها أخوه (يتعلق الأمر بسعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما) .
وصور أخرى فريدة من نفقة الأموال والأنفس في الغزوات تعج بها كتب السيرة، لولا خوفي من الإطالة لذكرت العشرات منها، وكان الصحابي يأتي ليجاهد فلا يجد ما ينفقه في سبيل الله فيرجع باكيًا متحسرًا ألا يستطيع الخروج مع الجيش، {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ أَلا يَجِدُوا مَا يُتْفِقُون} [التوبة 93] .
وبعد،
إذا ألقينا نظرة فاحصة على واقع الحركات الإسلامية المعاصرة، فإننا نجد صنفين أساسين لا ثالث لهما، صنف يسير وفق بنود بيعة العقبة، خاصة البندين سالفي الذكر (الطاعة والنفقة) ، حيث نجد أفرادها يلتزمون بهما ويجسدانهما خير تجسيد، ومن أجل هذا نجحت وتقدمت في مسيرتها الجهادية وأصبحت تهدد وتخيف العالم الكافر وأعوانه من المرتدين والمنافقين، وتحولت إلى شوكة في حلوقهم لن تزول حتى تحقق أهدافها بإذن الله.
والصنف الثاني انحرف عن هذه البيعة ولم يحقق بنودها كما يجب، خاصة في مسألة النفقة، حيث اتخذوا هذا الدين حرفة ثانوية، واتخذوه سلمًا للوصول إلى مآربهم الشخصية وبقرة حلوبًا يقتاتون منها، فتأخرت مسيرتهم وحادوا عن الطريق الصحيح، واندحرت حركتهم وبقيت تدور حول نفسها بالرغم من كثرة أفرادها.