كتاب الله والآخر: الجماعة، ولا جماعة إلا بإمام، وهو معنى متقارب لأن كتاب الله يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة، قال الله عز وجل (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) وقال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وعن قتادة في قوله واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا الآية قال: حبل الله الذي أمر أن يعتصم به القرآن وقال: إن الله قد كره إليكم الفرقة وقدم إليكم فيها وحذركموها ونهاكم عنها ورضي لكم بالسمع والطاعة والألفة والجماعة فارضوا لأنفسكم بما رضي الله لكم.
والمراد بهذا الحديث والله أعلم التزام الجماعة المجتمعة على إمام يسمع له ويطاع فيكون ولي من لا ولي له في النكاح وتقديم القضاة للعقد على الأيتام وسائر الأحكام ويقيم الأعياد والجمعات وتؤمن به السبل وينتصف به المظلوم ويجاهد عن الأمة عدوها ويقسم بينها فيها، لأن الاختلاف والفرقة هلكة والجماعة نجاة، ورحم الله ابن المبارك حيث قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يرفع الله بالسلطان مظلمةً في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافةَ لم تؤمن لنا سبلٌ وكان أضعفنا نهبا لأقوانا
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حديث ذكره (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) [1] ، وعن عبد الرحمان بن أبان يحدث عن أبيه قال: خرج زيد بن ثابت رضي الله عنه من عند مروان نصف النهار، قلت: ما بعث فيه هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه فيسألته فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (نضر الله أمرأ سمع منا حديثا فبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ومن كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة) [2] .
فأما قوله صلى الله عليه وسلم (ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن) فمعناه لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلا أبدا يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفاق إذا أخلص العمل لله ولزم الجماعة وناصح أولي الأمر.
(1) رواه أحمد والترمذي وابن حبان وابن ماجة والطبراني والدارمي.
(2) رواه بهذا النص ابن حبان وابن ماجة والدارمي والطبراني وأحمد في المسند والزهد وابن عبد البر في التمهيد، ورواه ابن ماجة أيضا بلفظ (ومن كانت الدنيا همه) .