الصفحة 38 من 87

لم ينهنا بقوله (ولا تفرقوا) عن هذا الضرب من الاختلاف، وأن النهي منصرف إلى أحد وجهين: إما في النصوص أو فيما قد أقيم عليه دليل عقلي أو سمعي لا يحتمل إلا معنى واحدا، وفي فحوى الآية ما يدل على أن المراد هو الاختلاف والتفرق في أصول الدين لا في فروعه وما يجوز ورود العبارة بالاختلاف فيه. اهـ [1]

وقع كثير من العلماء والسلف بحكم بشريتهم في بعض الأخطاء القولية والفعلية وهذا أمر ظاهر يعرفه من تتبع سيرة القوم ومذاهبهم، ولكنهم رحمهم الله تعالى ما كانوا يقعون فيما وقع فيه أهل البدع من جحد الحق الذي مع الآخرين أو البغي والعدوان بجعل أقوالهم ومذاهبهم عقيدة يكفر أو يفسق من خالفها ويوالون ويعادون عليها، فإن هذا لم يقع إلا من الجهال الظالمين أو من المبتدعين والمارقين، أما أهل السنة والجماعة فهم أهل إنصاف وعدل يعرفون أن أقوالهم وأقوال أئمتهم في الجملة هي حق يحتمل الصواب وما مع مخالفهم صواب يحتمل الخطأ، فلا يفسقون ولا يبدعون من خالفهم، بل يعاملونه بالعدل الذي أنزله الله تعالى في كتابه ويعرفون لأهل الإسلام حقوقهم، وهذا كله فيما كان للاجتهاد فيه مجال أو كان مع المخالف فيه دليل يسوغ الاحتجاج به على ما قاله ولو كان من قبيل الخطأ، أما ما كان من أصول الدين التي أحكمها الله تعالى في كتابه وبينها بيانا شافيا فذا القسم لا يسوغ الاختلاف فيه ويذم من خالف فيه ويكون حكمه بحسب نوع مخالفته.

قال ابن تيمية رحمه الله في بيان هذا المعنى: ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين يوالون عليه ويعادون كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة، بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه وفرق بين جماعة المسلمين وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات.

ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون وقد صح الحديث في الخوارج عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه وخرج البخاري منها غير وجه، وقد قاتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفين ... إلى أن قال:

فالخوارج لما فارقوا جماعة المسلمين وكفروهم واستحلوا قتالهم جاءت السنة بما جاء فيهم كقول النبي صلى الله عليه

(1) راجع أحكام القرآن للجصاص ج2/ 314

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت