الصفحة 39 من 87

وسلم (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة) ، وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى قسمة النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد إعدل فإنك لم تعدل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لقد خبت وخسرت إن لم أعدل) فقال له بعض أصحابه دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال صلى الله عليه وسلم (إنه يخرج من ضئضىء هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم) [1] الحديث، فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظن والهوى كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه. اهـ [2]

ذكرنا أن الله تبارك وتعالى قد أمرنا في كتابه الكريم بالاعتصام بالجماعة وحثنا على ذلك رسوله أيضا، وحذرنا من مفارقة الجماعة، وأن من شذ شذ في النار وكان من أصحابها عياذا بالله من ذلك، وقد اختلف العلماء في المقصود بالجماعة في ذلك، فقال بعضهم: المقصود بالجماعة من كان على الحق والطاعة ولو كان فردا واحدا، لأن الحق هو الذي يلزم اتباعه لا غير، وقال بعضهم: هم السواد الأعظم يعني جمهور أهل الإسلام، لأن الله تعالى لم يكن يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، وقال آخرون: هم أهل العلم لأنهم حجة الله على الخلق والناس تبع لهم، وقال آخرون: هم جماعة المسلمين الذين اجتمعوا على أمير يسمعون له ويطيعون.

والحق من ذلك أن الجماعة هي الحق ولو كان عليه واحدا، وإن كان جمهور أهل الإسلام على الحق في الغالب ولله الحمد، فإن كان جمهور الناس بما فيهم علماءهم الذين اجتمعوا على طاعة إمامهم وأميرهم على الحق فهم المقصودون بالجماعة حينئذ لا لعددهم ولكن لاتباعهم الحق، وإن خالف الجمهور الحق فليسوا هم حينئذ الجماعة، والجماعة هم أهل الحق وإن كانوا الأقلين، وقد رأينا في كثير من الأزمنة والعصور في القديم والحاضر أن غالب الناس على العموم وجمهورهم لم يكونوا على الحق والهدى، وأن القلة منهم كانوا هم أهل السنة والجماعة المتبعين لماء جاء به الرسول الكريم من العلم والهدى ودين الحق.

وتفصيل ذلك أن الله تعالى وتعالى إنما أمرنا في كثير من آيات كتابه الكريم بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك هو المنجي من العذاب والهلاك، وأن أهل الطاعة هم أهل الفوز والرضوان وهذا معلوم لكم مسلم يقرأ كتاب ربه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرنا الشرع الحكيم باتباع كثرة الناس ولا جمهورهم إلا للمعنى ذكرناه، فإن خالف الجمهور الحق وخرجوا عنه فمخالفتهم والتزام الحق هو الجماعة والعصمة والنجاة حينئذ، والدليل على ما ذكرنا كثير من الكتاب والسنة وواقع الأمة فمن ذلك:

* أن الله تعالى قد أخبرنا في كتابه الكريم أنه أرسل نبيه نوحا عليه السلام إلى قومه فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فدعاهم بدعوة الله تعالى فلم يستجب له إلا نفر قليل، قال تعالى (ولقد أرسلنا نوحا إلا قومه فلبث فيهم الف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) [3] ، وقال تعالى عنه أنه (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعه في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبار ... ) الآيات [4] ، وقد أنبأنا الله تعالى أنه عليه السلام ومع ما لبث فيهم من السنين يدعوهم إلى الله تعالى ما آمن له إلا قليل من الناس، قال تعالى (وما آمن معه إلا قليل) [5] ونحن نعلم يقينا أن نوحا عليه السلام والقليل الذي آمن معه هم الذين كانوا على الحق وكل الناس سواهم على الكفر والضلال

(1) حديث الخوارج رواه بألفاظه المختلفة البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد وابن حبان وابن ماجة والبيهقي وأبو يعلى والطبراني وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم في السنة وغيرهم، وقال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه.

(2) راجع مجموع فتاوى ابن تيمية ج3/ 349ـ350

(3) سورة العنكبوت، الآية: 14.

(4) سورة نوح، الآيات من 5: 7.

(5) سورة هود، الآية: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت