الصفحة 40 من 87

والباطل.

* وهذا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام أرسله الله تعالى إلى قومه، فدعاهم إلى إفراده تعالى بالعبادة والنسك وترك عبادة الأصنام، فعابه قومه وكذبوه وألقوه في النار حتى خرج مهاجرا إلى ربه يلتمس أرضا أخرى يعبد الله فيها، قال تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ... ) الآيات إلى قوله تعالى (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) [1] ، فلما رأى خليل الرحمن إبراهيم تكذيبهم إياه تركهم وهاجر من أرضهم إلى أرض أخرى طيبة يعبد الله فيها، قال تعالى (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم) [2] ، فقد كان خليل الرحمن إبراهيم على الحق وحده حين دعا قومه وخرج من بينهم وما آمن معه إلا نفر يسير، وكانوا بلا شك هم أهل الحق والناس غيرهم على الباطل والشرك وعبادة الأصنام.

* وحينما أرسل الله تعالى موسى عليه السلام إلى قومه كان الناس في ضلال مبين على عبادة الأصنام والأوثان، فدعاهم موسى إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، فآمن له ذرية قليلة مستضعفة من قومه على خوف من فرعون والملأ أن يفتنوهم، وكان الملأ والكبار والعظماء والجمهور على خلاف دعوته ودينه، وما ضره ذلك أن يكون الحق معه، وأن تكون الطائفة المؤمنة به وبدعوته أهل الحق وما سواهم هم أهل الباطل وحطب جهنم، وقصته وقومه مذكورة بتفصيل في سورة الأعراف وطه والشعراء وغيرها.

* ويدل على ما ذكرنا أيضا - علاوة على ما ورد في سير الأنبياء جميعا - ما ورد عن رسولنا صلى الله عليه وسلم من الثناء على الحنفاء الذين كانوا قبل مبعثه على توحيد الله تعالى، وكان كل أقوامهم حينئذ على عبادة الأصنام والأوثان من دون الله تعالى، وما ضر هؤلاء النفر القليل أن يكونوا هم الجماعة وأهل الحق مع ندرة عددهم وقلتهم وضعفهم وهوانهم على قومهم، ومن هؤلاء الحنفاء زيد بن عمرو بن نفيل أبو سعيد بن زيد الصحابي رضي الله عنهما، وقد روى البخاري قصته وفيها: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلى أن أدين دينكم فأخبرني، فقال اليهودي: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأني أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، وأني أستطيع فهل تدلني على

(1) سورة الأنبياء، الآيات من 51: 68.

(2) سورة العنكبوت، الآية: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت