رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم) ، فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك. اهـ
وقال أيضا رحمه الله: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا الدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) ، فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة. اهـ [1]
إن كثيرا من الجماعات التي تنتسب إلى الدعوة الإسلامية الآن ترفع راية الحل الإسلامي في حتمية تغيير الأوضاع والأنظمة الجاهلية المخالفة للإسلام، ولكن كثيرا من هذه الجماعات في الحقيقة يعتمد مناهج باطلة في الدعوة والعمل الإسلامي، وليس لهم من هذه الشعارات في الواقع نصيب، وإنما يرفعون شعارات فارغة من مضمونها، وقد ذكرنا سابقا أن الواجب على كل مسلم عاقل لبيب أن يبحث عن أهل الحق ليلتزمهم ويعرف أهل الباطل ليجتنبهم ويكون ذلك همه الأول، ومن أهم صفات طائفة الحق التي يجب أن يلتزم بها المسلم والتي تميزها عن غيرها ما يلي:
* الصفة الأولى: التمسك بالعقيدة الصحيحة المستمدة من نصوص القرآن والسنة والمنهج الشرعي السليم الذي كان عليه سلف الأمة المهديين الذين مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم، والذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهداية وقال فيهم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [2] ، وذلك في الاعتقاد والعمل، ولهذ المنهج معالم وأسس يجمعها الانقياد التام لله تعالى في حكمه وشرعه، والمتابعة الصادقة لرسوله صلى الله عليه وسلم في هديه وسنته دون انحراف ولا تبديل مع تجنب طرق أهل البدع والضلالة.
* الصفة الثانية: تميز الراية ووضوح الهدف والمقصد، وذلك بأن يكون الجهاد لإقامة المقاصد الشرعية المنصوص عليها وأن لا يكون هناك غبش في التصور وعمى في الراية، ومما يجب أن يُعلم أن المقصود من تشريع جميع الشرائع والولايات في الإسلام - سواء كانت عامة أو خاصة - أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك ولهذا أنزل الكتب وأرسل الرسل وعلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جاهد الرسول والمؤمنون معه ومن بعده، قال الله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [3] ، وقال تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه انه لا إله إلا أنا فاعبدوا) [4] ، وقال تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [5] ، وقد أخبر الله تعالى عن جميع المرسلين أنهم كانوا يقولون لأقوامهم اعبدوا الله مالكم من اله غيره، وعبادة الله تكون بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك هو الخير والبر والعمل الصالح والتقوى والحسنات والقربات والباقيات الصالحات، وهذا هو الذي يقاتل عليه الخلق كما قال تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) [6] ، وعن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [7] ، هذا على وجه الإجمال، فأما على وجه التفصيل فإن الجهاد له غايات سامية وأهداف عالية ومقاصد يهدف إليها تتلخص فيما يلي [8] :
المقصد الأول: إقامة أمر الله تعالى الواجب علينا بالجهاد في سبيله، والفرار من سخطه وعذابه حيث أن الله تعالى قد أمرنا بالجهاد في كثير من آيات كتابه الكريم ولو ذهبنا نتتبع ما ورد في ذلك لطال بنا المقام [9] ، ومن هذه الأدلة قوله تعالى قال تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) [10] ، وقال تعالى (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) [11] ، وقال تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [12] ، وقال تعالى مؤكدا الوجوب السابق (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا
(1) راجع السياسة الشرعية لابن تيمية/137.
(2) رواه بألفاظه المختلفة البخاري ومسلم والترمذي والحاكم وابن حبان والبيهقي وابن أبي شيبة
(3) سورة الذاريات، الآية: 56.
(4) سورة الأنبياء، الآية: 25.
(5) سورة النحل، الآية: 36.
(6) سورة الأنفال، الآية: 39.
(7) رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن حبان والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي
(8) هذا الجزء مختصر من مبحثنا في تعريف الجهاد وبيان مقاصده فمن أراد التفصيل والمزيد فليرجع إليه.
(9) ذكرنا بفضل الله ومنه أظهر ما ورد من الأدلة على وجوب الجهاد في مبحث خاص بذلك مع شرح واف لها فليرجع إليه.
(10) سورة البقرة، الآية: 190.
(11) سورة البقرة، الآية: 191.
(12) سورة البقرة، الآية:216.