الصفحة 70 من 87

السمع والطاعة لهم، وإذا كان ذلك في الأمرة فالقضاء مثله. اهـ [1] ، وقد بوب ابن خزيمة في صحيحه باب: استحباب تأمير المسافرين أحدهم على أنفسهم والبيان أن أحقهم بذلك أكثرهم جمعا للقرآن وساق بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم نفر فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ماذا معك من القرآن) فاستقرأهم كذلك حتى مر على رجل منهم هو من أحدثهم سنا قال (ماذا معك من القرآن؟) قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة قال صلى الله عليه وسلم (اذهب فأنت أميرهم) [2] .

قال الشوكاني رحمه الله في بيان مشروعية التأمير الذي ذكرناه والحكمة منه: وفيها - أي الأحاديث السابقة - دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى، وفي ذلك دليل لقول من قال إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام. اهـ [3]

فانظر كيف ذكر رحمه الله أن هذا الحكم (وجوب الإمارة) مترتب على العدد حيث قال: يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم، وذكر أن هذا يجب على المقيمين من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى تعلم صحة ما ذكرناه سابقا والحمد لله أولا وآخرا.

وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بأحاديث إمارة السفر على وجوب الإمارة في سائر أنواع الاجتماعات، فقال رحمه الله: وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلابد لهم من أمور يفعلونها ويجتلبون بها المصلحة وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لابد لهم من طاعة آمر وناه ... إلى أن قال:

ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته تولية ولاة أمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى، فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) ، وعن هريرة رضي الله عنه مثله، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن

(1) راجع المعتصر من المختصر من مشكل الآثار المسمى معتصر المختصر ج2/ 13.

(2) رواه الترمذي وحسنه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي والحاكم، ورواه ابن ماجه مختصرا.

(3) نيل الأوطار للشوكاني ج9/ 157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت